لم يبق احد في الوسطين السياسي والرسمي دون الاعتراف بعمق الازمة التي تجاوزت بتداعياتها، وعلى كل المستويات عشرات المرات التي كان كثيرون يحذرون منها اذ يؤكدون ان لبنان سائر بسرعة نحوها، ولذلك بات انقاذ البلاد لا ينحصر بما يقول سياسي مخضرم بمعالجات مالية واقتصادية ونقدية وحياتية فقط، مهما توسعت دائرة المعالجات لكل هذه الملفات، ومهما كانت النوايا صادقة من هنا او هناك.

فالانهيار الذي وصل الى حدود تفكك الدولة وافلاسها بكل ما هو ضروري لاستمرارها، وليس للاخر الممكنة لانقاذها وانقاذ اللبنانيين من تحولهم الى اشبه «بجزر» طائفية حزبية منفصلة عن بعضها وتضربها المجاعة والتناحرات بكل اشكالها، وضع البلاد ومعهم اللبنانيين امام احد آخرين؟ الاول اما انتاج عقد اجتماعي جديد بفتح الطريق امام قيام دولة العدالة والمواطنية الواحدة بعيداً عن كل الانتماءات المذهبية والحزبية، واما تقصد عدم ولوج طريق الانقاذ الفعلية على خلفية التلطي بشعارات «العيش المشترك» الذي اصبح مجرد شعار كاذب يراد منه اعادة انتاج نظام المحاصصة الطائفية والسياسية، قبل كل انواع المحاصصات التي ولدّها نظام المحاصصة الطائفية.

فالواقع الانهياري الذي وصلت اليه البلاد، هو نتيجة تراكمية منذ اقرار اتفاق الطائف وحتى اليوم، حتى ولو كانت السياسات الخاطئة في فترات محددة ساهمت في تسريع «الانهيار» اكثر بكثير مما كان متوقعاًَ، وبالتالي فهذا الانهيار تجلت عناصره ومعالمه في عدد من العناصر الكبرى.

1- استسهال عدم تطبيق الطائف بعناوينه السياسية التي جاءت في مقدمة الطائف الذي اصبح دستور لبنان في العام 1989 وبذلك بوضع قانون للانتخاب خارج القيد الطائفي على ان يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع الطوائف بالتوازي مع انتخاب مجلس نواب على اساس وطني غير طائفي.

2- ان هذا الاستسهال في تطبيق الطائف، انسحب تدريجياً على كل بنية الدولة ومؤسساتها، في قوانين الانتخابات «غب الطلب»، الى التعاطي مع كل القوانين التي تعنى بالشأن العام على انها وجهة نظر من اعلى الهرم في الدولة الى كل تفاصيل ادارة شؤون البلاد واللبنانيين، فتحولت معها الدولة ومؤسساتها بدءاً من مجالس النواب والحكومات، الى كل مرافقها ومؤسساتها وماليتها العامة وحتى واجبات المواطن تجاه دولته ومسؤولية الدولة لابنائها، الى محاصصات طائفية وحزبية وشخصية، ومعها اصبحت الدولة محميات موزعة مذهبياً وحزبياً، وتحولت كل الساحات العامة كبيرة وصغيرة الى «حلبة سباق» كل طرف او حزب او زعيم او متنفذ، يستبيح كل شيء للحصول على حصته من تقاسم الجبنة.

3- لقد اتاح انحلال الدولة وتقاسمها حزبياً باسم الطائفة، والمذاهب، الى دهس القوانين والدستور من كل الذين تعاقبوا على السلطة، وفي اي موقع فيها ومعها ضرب الانحلال والفساد والمحاصصة، والمحميات السياسية والمذهبية كل مرفق وادارة وشأن عام، ما ادى الى صراع لا ينتهي من اجل «التناتش» على مصادرة كل ما يمكن الوصول اليه، لمصلحة القوى الحاكمة وزبانيتها باسم الطائفة وحقوقها، فسرقت الدولة واملاكها واموالها بغطاء حقوق المذاهب والطوائف ومن يصادر القرار باسمها، بما في ذلك مراكز القرار في الدولة وكل سلطاتها الاساسية الى ادنى موقع او شأن عام.

4- ان هذا المرض الخبيث الذي لم يترك تفصيلاً صغيراً، الا وانتشر فيه، جرى ويجري حتى اليوم محاولة معالجته بمسكنات منتهية الصلاحية، يتعمد كل فريقه من الذين ساهموا في انتشار هذا المرض ان يوهم الناس ببطولات وهمية. ويعيد انتاج النظام المذهبي على نفس القواعد السابقة، مع بعض التجميلات الشكلية ستنهار مجددا، حتى لو قدر لها ان ترى النور.

ولذلك يقول السياسي المخضرم ان اخراج البلاد من الحال الذي وصلت اليه ومن اجل تفادي السقوط الشامل وتحويل لبنان الى دولة فاشلة مع كل التداعيات الخطيرة التي قد تنتج عن ذلك، تفترض قبل او بالتوازي مع ورشة الانقاذ المالية والنقدية والاقتصادية والحياتية وضع «عقد اجتماعي» جديد بين كل اللبنانيين يجدد طبيعة الدولة التي يريدونها، وهذا العقد مدخله الاول والاساس اسقاط نظام المحاصصة المذهبية وجعل القانون والمواطنية الفصل في تحديد علاقة الدولة بابنائها وعلاقة المواطن بدولته.

وعلى هذا الاساس فان امام الجميع، من حكومة ومجلس نواب وقوى سياسية وثورة معبر من اثنين للخروج من براثن هذا الانهيار والمرض الخبيث الذي ضرب الدولة ومؤسساتها وكل ما له علاقة ببنيتها وادارتها، الاول ان اقامة الدولة المدنية على انقاض نظام المحاصصة المذهبية الزبائنية، والثاني ان يتم تطبيق اتفاق الطائف بكل مندرجاته، اذا كان هناك استحالة في الوصول الى الخيار الاول، والتدخل للالتزام بهذا العقد الجديد بين اللبنانيين في قانون جديد للانتخابات، ابرز مواصفاته العدالة والمساواة بين اللبنانيين عبر نظام انتخابي خارج القيد الطائفي مع انشاء مجلس للشيوخ اذا اقتضى الامر، وتطبيق اللامركزية الادارية الموسعة ولو جرى تنفيذ اتفاق الطائف منذ التسعينات وحتى اليوم بعيداً عن مقاسات القوى السياسية المختلفة وبعيداً عن منطق التخويف من الدولة المدنية او العلمانية، واعتبار معظم القوى الاساسية ان حماياتها وعدم ما يسمونه الاستئثار المذهبي الطائفي يكون بتثبيت نظام المحاصصة المذهبية والحزبية، حيث تحولت هذه السياسات التي اعتمدت منذ وصول الرئيس الراحل رفيق الحريري وحتى اليوم الى سياسة تقاسم كل شيء في الدولة من منطلق مذهبي وطائفي، فتكون لدى كل طائفة ومذهب «دويلة» داخل الدولة، لها كل الامتيازات التي جعلت من كل عملية تقاسم باسم المذهب والطائفة محمية خاصة لها مقومات المالية والادارية، ولها كل انواع الحصانات ومعها قامت كل انواع مزاريب الهدر، فباتت الدولة مجردة من مقومات الدولة، وفي الاساس ضاعت القوانين واصبحت مجرد وجهة نظر، يتم تنفيذها على قياس المذاهب والقوى السياسية المتحكمة بالقرار، ومعه اصبحت الدولة ومرافقها وقوانينها، في خدمة مصالح الذين هيمنوا عليها وبمجرد الحديث عن تنفيد العدالة والقانون تقوم قيامة النافذين والمتحكمين بالمذاهب، باسم مذاهبهم وطوائفهم، حتى اصبحت جسم الدولة اشبه بالهيكل العظمي.

كذلك، فالسؤآل هل ولدت كل هذه السياسات والخطايا بداية تغيير مختلف لدى القوى السياسية، ومعها ما تمثله مجموعات الحراك الشعبي من اجل الخروج من مخاطر انزلاق البلاد، ليس نحو الافلاس المالي والنقدي، بل نحو الفوضى وكونفدرالية الطوائف؟

لا شيء في الافق يؤشر الى «بصيص نور» للانتقال نحو قيام دولة المساواة وبين اللبنانيين، اوضحت الخروج من النفق المظلم الذي دخله لبنان واللبنانيين فلا الحكومة الجديدة ادخلت في بيانها الوزاري بندا واضحا لتطبيق الطائف في فترة زمنية محددة. ولا تحدثت حتى عن اعداد قانون جديد للانتخابات خارج القيد الطائفي والمذهبي.

وما يؤكد ان الافق مسدود للحل، التنازع غير المسبوق بين كل القوى السياسية، التي يفترض بها ان تقارب الخروج من الانهيار يتوافق كل اللبنانيين عل عقد اجتماعي جديد ان عبر تنفيذ الطائف او عقد اخر، يساوي وبين اللبنانيين دون التوقف امام انتمائه المذهبي والطائفي والحزبي، فلكل تيار سياسي او حزب او مجموعة مقاربتها المختلفة عن الاخرين للانقاذ حتى في المسائل المالية النقدية والاصلاحية من ضمن نظام تقاسم الحصص الحالي، كما ان الانتفاضة الشعبية التي لا يمكن لاي لبناني سوى دعم المطالب التي ترفعها بما خص مكافحة الفساد واستعادة المال المنهوب واصلاح مؤسسات الدولة لكنها لم ترتق بمطالبها وشعاراتها للتوحّد حول مطلب اساسي على اعتبار انه المدخل الوحيد للخروج الفعلي من الانهيار والمأزق السياسي الذي يلغيه النظام وقواه السياسية وهو التمسك بمطلب اقامة الدولة المدنية بعيدا عن كل انواع مفاهيم الانغلاق الطائفي والمذهبي وخوف هذه الفئة او ذاك المذهب من طغيان فئات ومذاهب اخرى وبات مفهوم الدولة هو ما تقدمه الدولة للطائفة التي يحظى بامتيازاتها الاقلية من بين كل الطوائف، وبالتالي بات كل شيء في الحياة اللبنانية يقاس على اساس الانتماء الطائفي.

ورغم ان الحراك الشعبي بات عابرا للطوائف والمذهب من خلال تلاقي كثير من المطالب بين كل الساحات ورفعه لشعارات اسقاط نظام المقاطعجية «والاوليغارشية» باسم الطائفة والمذهب، لكن هذا الحراك او الثورة لم يضع في اوليات ما يسعى لتحقيقه اسقاط نظام المحاصصة المذهبية وهذا الاسقاط لا يكون سوى من خلال نظام جديد لا طائفي ولا مذهبي يقوم على مساواة اللبنانيين بعيدا عن انتماءاتهم المذهبية والتجارة باسم الدين والطائفة والمذهب.

لذلك يؤكد السياسي المخضرم انه طالما ان كل ما يطرح من معالجات وما تقدمه اكثرية الاطراف في الدولة وخارجها، لم يخرج عن منطق اعادة انتاج النظام المذهبي الطائفي، حتى ولو افضت اجراءات مالية من هنا او اصلاحية شكلية من هناك الى الحد من الانهيار او ادخال تحسينات جزئىة من هنا وترقيع له من هناك فالازمة وامكانية تفجّرها بأشكال مختلفة ستبقى مطروحة وقابلة للاشتعال في اي لحظة.