دياب سيتفرّغ لمعالجة هذا الإستحقاق بعد نيل حكومته ثقة المجلس النيابي

جوزف فرح

«ندفع او لا ندفع»... تلك هي القضية اليوم في لبنان، رئىس الحكومة حسان دياب طلب تأجيل مناقشة تسديد سندات اليوروبوندز التي تستحق في 9 آذار المقبل وهي بقيمة مليار و200 مليون دولار الى ما بعد نيل الحكومة ثقة المجلس النيابي الذي سينعقد اليوم لمناقشتها في بيانها الوزاري الذي على اساسه ستنال الثقة.

هناك اكثر من رأي بالنسبة لهذا الموضوع، اذ بات من المعروف ان فريقاً يطالب بعدم التسديد من اجل المحافظة على الاحتياطي المكون لدى مصرف لبنان لشراء المحروقات والطحين والادوية وهي مواد استراتيجية للبلد والمواطن، وفريق آخر يطالب بالتسديد كي لا يصبح لبنان دولة فاشلة غير قادرة على الايفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين. وثمة فريقاً آخر يطالب باجراء مفاوضات من الدائنين من اجل تأجيل هذا الدين... ولكن ماذا نفعل بالاستحقاقات المقبلة ومنها 700 مليون دولار في شهر نيسان المقبل؟

الاجتماعات المتواصلة التي عقدت في السراي وشارك فيها دياب ووزير المالية غازي وزني وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة واخرون بقي السؤال المطروح والذي لم يجد جواباً بعد «ندفع او لا ندفع».

واذا كان التسديد هو احد الخيارات المطروحة فان ذلك يعني استنزاف الاحتياطي لدى مصرف لبنان كونه بات الوحيد القادر على السداد، فان الطرح الثاني وهو عدم السداد فان ذلك يعني استدعاء صندوق النقد الدولي لوضع يده على البلد اقتصادياً ليضع الحلول ويشرف على تنفيذها، وهناك مؤيدون لهذا الطرح كون لبنان لم يتمكن من خلال حكوماته المتعاقبة من تنفيذ الاصلاحات التي كان ينادي بها الصندوق مما ادى الى وصول لبنان الى الانهيار خصوصاً قطاعه المصرفي الذي كان الناس يتغنون به وبقوته وصلابته وبالثقة التي كان يتمتع بها، وبالتالي فان الصندوق قادر على فرض اصلاحاته عوضاً عن ان يزول لبنان اقتصادياً ويغيب عن الساحة الاقتصادية الدولية.

ويعتبر هؤلاء ان لبنان قادر على النهوض من خلال خطة صندوق النقد الدولي وان كانت قاسية لكنها ستؤدي الى حلول انقاذية، ليرد الفريق الاول بالقول ان دخول صندوق النقد الدولي الى لبنان لن يكون انقاذياً بل سينضم لبنان الى دول اخرى جربت الصندوق وكان مصيرها الفشل مثل فنزويلا والارجنتين.

واذا كان لبنان سيتمكن من تسديد المليار و200 مليون دولار في شهر آذار، فهل يتمكن من تسديد 700 مليون دولار في نيسان و600 مليون دولار في حزيران، كذلك تستحق فوائد عليه بقيمة مليارين و180 مليون دولار تتوزع على دفعات شهرية تتراوح بين 33 مليون دولار و500 مليون دولار، وهناك 1.600 مليون دولار محمولة من اجانب الذين سيحاولون «الهروب» من هذه السندات بسبب الوضع الكارثي في لبنان، خصوصاً ان بعض المصارف اللبنانية كانت قد تخلت عن هذه السندات بعد ان باعتها بأقل من سعرها المعروف، وكذلك الامر بالنسبة لفوائد هذه السندات التي يستفيد منها الاجانب.

واذا كانت المصارف على استعداد لعمليات التأجيل لهذه السندات الى آجال اطول، فانها اليوم مشغولة بكيفية زيادة رأسمالها بنسبة 20 في المئة وان بعضها غير قادر على هذه الزيادة ومصيره الى الدمج المصرفي، وبكيفية التعاطي مع المودعين الذين يطالبون بودائعهم التي لم يعودوا ينالون منها الا الفتات وهم الذين كانوا يأملون ان تكون سنداً لآخرتهم كالمتقاعدين او الذين كانوا يستفيدون من فوائدها رغم تطبيق الكابيتال كونترول، وما تزال النقمة ضد هذه المصارف مستمرة ليبقى السؤال «ندفع او لا ندفع».

رغم الحملات ضد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بأنه المسبب الاول لانهيار العملة الوطنية، الا ان هذه الحملات لا تذكر سوى الاحتياطي الذي كوّنه وبات هو الوحيد المنقذ لعمليات استيراد المحروقات والطحين والادوية، وبات الوحيد القادر على سداد المستحقات، بينما الدولة اللبنانية تشهر افلاسها وتحيل كل شيء على حاكم مصرف لبنان آخرها تسديد مستحقات شهر تشرين الاول الماضي ويسألون «ندفع او لا ندفع».

من المؤسف ان لبنان لم يعد يملك سوى الاحتياطي من العملات الصعبة الذي كونه حاكم مصرف لبنان في ظل «شح الدولار» الذي تسببت به الطبقة السياسية خلال السنوات الماضية، حتى ان السلسلة التي اقرها المجلس النيابي لاسباب انتخابية كان سلامة يطالب بتقسيطها، ولكن لا حياة لمن تنادي لان السياسيين الذين عطلوا البلد والدورة الاقتصادية كان همهم المحاصصة والزبائنية والمصالح الخاصة ولو كانت على حساب المصلحة العامة.

ليس هذا فحسب، بل ان كل القطاعات الاقتصادية باتت اليوم تصوّب باتجاه احتياطيات المصرف المركزي لاعادة الاستيراد وخصوصاً القطاع الصناعي والقطاع الزراعي في ظل رفض المصارف فتح الاعتمادات مهما لاستيراد المواد الاولية لهما.

الخبير الاقتصادي وليد ابو سليمان كتب على حسابه على الفايسبوك حول هذا الموضوع: «كفى التخبط والتضليل، لا مفر من اعادة هيكلة الدين، على لبنان 27 استحقاق يوروبوندز مجموعها مع الفوائد 45.5 مليار دولار، اذهبوا الى الدائنين ببرنامج مقنع! كفوا عن سياسة الهروب الى الامام. انتم الذين اخذتم قرار الاستدانة وبالتالي عليكم تحمل تبعاته وليس المواطن او المودع.

لكن يبقى السؤال: نسدد او لا نسدد.

اذا كان لبنان ينتظر «وديعة» خليجية، كما كان الحديث يتكرر، فانه سينتظر طويلاً في ظل «الضبابية» التي يعيشها.

ويبقى السؤال: ندفع او لا ندفع، خصوصاً ان مصرف لبنان سيدفع الاستحقاق من اموال المودعين.