فؤاد ضو

منذ ان اقسم سماحة السيد حسن نصرالله في خطابه منذ سنة ونصف السنة ان حزب الله سيحارب الفساد في لبنان وان لبنان قادر على النهوض اقتصاديا اذا احسنت الحكومة والحكم العمل، فإن هذه الحكومة التي كان لحزب الله اليد الطولى في تأليفها، لن يسمح بسقوطها او فشلها. واذا كان الوزراء قد اختارتهم أحزاب، فان ذلك لا يعني ان وزراء التكنوقراط سينفذون بشكل اعمى ما تطلبه الأحزاب، لان كل وزير تكنوقراطي يعرف بشؤون الوزارات الأخرى ويعرف التفاصيل التقنية لادارة الوزارات والمشاريع، وله خبرة جامعية عالية واعمال في اكبر شركات العالم جعلته يتمكن من معرفة أي مشروع يتم تقديمه امام الحكومة ويكون فيه ارتكاب فساد او سرقة أموال.

وحزب الله مصمم على الحفاظ على قدسية قسم سماحة السيد حسن نصرالله ومحاربة الفساد والنهوض بالاقتصاد اللبناني وتوفير مصاريف ما يمكن للدولة في غير محلها، مع العلم ان اسعد حردان عاد الى وزارة العمل من باب حصة المردة وهو لديه 80 شاباً عملوا معه في وزارة العمل وحقق بواسطتهم ثروة ضخمة سمحت له ببناء القصور وشراء ابنية في فردان والحصول على ارصدة في المصارف.

لكن حزب الله لن يسمح بأي عمل فاسد داخل الحكومة وهذه ليست تعليمات مجلس الشورى او المكتب السياسي في حزب الله بل هو وعد شرف وكلام كرامة عالية قالها سماحة السيد حسن نصرالله في خطابه الشهير الذي اعلن فيه الحرب على الفساد، واكد انه يمكن النهوض بالاقتصاد اللبناني.

تجربة اميركا مع ايران بحصارها ومنع تداول الدولار من قبل ايران مع دول الجوار ومنعها من تداول الدولار بشكل عام ومنعها من بيع نفطها واغلاق مرافئها وفرض حصار عليها، لن يسمح بتكراره حزب الله على لبنان، وهو لديه من خلال تشكيل الحكومة تشكيلة وزارية لا يمكن ان تتهمها الولايات المتحدة انها حكومة الحرس الثوري او حكومة ترسل صواريخ تزود بها اليمن وتطلقها على السعودية، او ان السعودية تقوم بدفع أموال بمئات الملايين من الدولارات كي تشترك الولايات المتحدة مع دول «التحالف الدولي» في الحرب على اليمن.

وقد خسرت السعودية رهانها في السيطرة على اليمن، فحزب الله ستكون خطته جهوزيته لاي حرب قد تقع من «إسرائيل» على لبنان، وعلى الأرجح لن يبدأ حزب الله حربا على العدو الإسرائيلي حاليا قبل انطلاق الحكومة ومرور ثمانية اشهر او اكثر او سنة على عمرها، وتحقيق نجاحات لها، كما ان حزب الله يقيم علاقات غير معلنة مع دول في الاتحاد الأوروبي ومنها علاقات معلنة بشكل شبه سري مع فرنسا، وطالما جبهة الجنوب هادئة مع العدو الإسرائيلي، فانه يمكن الانصراف للعمل الداخلي والاقتصاد الوطني.

ولقد اثبت حزب الله انه يحدّ من تدخل جهات سياسية كبرى في القضاء اللبناني، وانه يريد ان يكون القضاء شبه مستقل، رغم انه لا يمكن ان يكون القضاء مستقل بل ان يكون مستقل بنسبة 70% وهذا ما سيعمل عليه حزب الله، وقد تدخلت أحزاباً سياسية في القضاء وقام بمواجهتها ومنعها من التأثير على القضاء وفرض احكاماً لمصالح سياسية.

قوة حزب الله في ضرب الفساد وفي عدم سرقة أموال الشعب اللبناني وفي النهوض الاقتصادي، خاصة وانه يركز على النهوض الاقتصادي، فحزب الله لا يملك مشاريع كبيرة مثل «سوليدير» او شركات أخرى، كذلك لم يشارك في أي مصرف لبناني عن طريق جمهوره الشيعي الغير منتسب لحزب الله كي لا يتم اغلاق المصرف واصابته بعقوبات أميركية تؤدي الى اغلاقه، لكنه وجه رسائل الى الولايات المتحدة عبر الهجوم على مصرف لبنان وحاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف اللبنانية التي عددها 61 مصرفاً، والان أصبحت 60، ورفض التعاطي في الشؤون المصرفية، ولكن أراد ارسال رسالة للولايات المتحدة بأن العقوبات المصرفية او العقوبات بالدولار ستؤدي الى كارثة تنهي علاقة الولايات المتحدة مع لبنان نهائيا، وعندها تكون روسيا قد شبعت نفوذا في تركيا وفي سوريا، وفيما الولايات المتحدة تعاني من وجودها العسكري في العراق وهي تسلح الجيش اللبناني وتريد ان يكون لها نفوذاً قوياً في لبنان، من خلال استمرارها تسليحها للجيش اللبناني وتدريبها آلاف الضباط فيه داخل الولايات المتحدة، في حين انه كان معظم ضباط الجيش اللبناني يتدربون في فرنسا وألمانيا وبلجيكا وبريطانيا واصبحوا الآن يتدربون في الولايات المتحدة، وان عدد الضباط الذين تدربوا في الولايات المتحدة 4 آلاف ضابط.

وتعرف الولايات المتحدة من خلال قيام حزب الله بارسال رسائل في شوارع بيروت ضد مصالح قريبة من اميركا، ان حزب الله لن يسكت تجاه العقوبات الأميركية مثلما اضطرت ايران للصبر والصمت وسقوط اقتصادها بشكل كبير، لان حزب الله سيكون رده عند ذلك حرب على «إسرائيل»، وهذا الامر يخيف جدا الإدارة الأميركية ان يتم فتح جبهة عسكرية وحرب كاملة بين لبنان والعدو الإسرائيلي وبالتحديد بين حزب الله والمقاومة و«إسرائيل»، وعند ذلك يتخربط كل مشروع «صفقة القرن» وكل مشاريع الولايات المتحدة باعتماد الجولان تحت سيطرة الاحتلال الاسرائيلي، إضافة الى اعتماد القدس عاصمة العدو الإسرائيلي وطمعه وسيطرته على وادي الأردن والاغوار، إضافة الى تحرك الشعب العراقي ضد «صفقة القرن» سيصل الى الكويت والسعودية مباشرة.

فاذا اشتعلت الحرب بين المقاومة وحزب الله والعدو الإسرائيلي، فجبهة غزة ستشتعل بالصواريخ مع العدو الإسرائيلي، اما تظاهرة الثلاثة ملايين ونصف مليون اردني وفلسطيني في الأردن ضد «صفقة القرن»، فان ذلك سيسقط صفقة القرن كليا وستشتعل حرب عصابات في تلك المنطقة ضد العدو الإسرائيلي.

اما العراق الذي تتواجد فيه 3 قواعد أميركية وهنالك 14 الف جندي أميركي ستحصل بينهم وبين الجيش الأميركي معركة كبيرة وهامة لان الحشد الشعبي الشيعي العراقي وكل الشعب العراقي وعدد سكانه 33 مليون نسمة سينتفض ضد الوجود الأميركي مهما جهزت اميركا نفسها للحرب وجلبت صواريخ «باتريوت» ضد الصواريخ التي سيتم اطلاقها ضد القواعد الأميركية.

اما شيعة الجنوب في العراق لن يسكتوا عن الامر، فهم على مسافة 12 كلم مع الكويت ومع حدود ملاصقة مع السعودية، وعندها سيهتز امن الخليج كله، واما الحرب الكبرى ستكون بين المقاومة وحزب الله من جهة والعدو الإسرائيلي من جهة أخرى، فالمقاومة تملك 150 الف صاروخ مداه القريب 40 كلم ومداه البعيد 1200 كلم، ويعني ذلك ان الصواريخ لدى المقاومة ستطال كامل أراضي فلسطين المحتلة.

وعلى صعيد القوى البرية، فان الجنوب مليء بالانفاق والغرف تحت الأرض مع التهوئة لها، والمجاهدون يسكنون فيها ويعرفون كيف يخوضون معارك الانفاق ضد العدو الإسرائيلي، حيث يملكون صواريخ «ساعر» الروسية من طراز «اس» وهي حديثة جدا ويمكنها تدمير الدبابة او المدرعة عن مسافة 3 او 4 كلم بسهولة تامة، ومجاهدي حزب الله قاتلوا في سوريا وفي عدوان 2006 وهم الان في جهوزية تامة لمواجهة العدو الاسرائيلي الذي لم يكتشف حتى الان شبكة الانفاق لحزب الله في الجنوب، ولا يعرف شيئاً عن شبكة المجاهدين الذين ينتشرون في الانفاق وقد يخرجون من أماكن عديدة ولا تعرف «إسرائيل» الجبهة التي ستخوض عليها الحرب كما تخوضها مع الجيوش التقليدية حيث تهاجم قوة «إسرائيلية» من 50 الف جندي قوة عربية مؤلفة من 50 او 100 الف جندي عربي والاهداف مكشوفة امام طيران العدو الإسرائيلي، والعكس هو حاصل بين حزب الله وجيش العدو الإسرائيلي، فالجيش «الإسرائيلي» مكشوف في تقدمه البري ولا يستطيع إخفاء دباباته المدرعة وملالاته ومدافعه، فيما حزب الله ليس مكشوفاً ابداً وليس لديه دبابات او مدرعات وملالات، بل قوة عسكرية تحمل صواريخ «ساعر» ضد الدبابات ورشاشات صغيرة، واحيانا تظهر في جهة واحيانا تختفي في جهة أخرى، وهذا ما قاله تقرير فينوغراد عن حرب 2006، وان الجيش العدو الإسرائيلي يجب ان يكون لديه خريطة الانفاق في الجنوب والبقاع وكامل الأراضي اللبنانية، ولكن حزب الله يعمل بسرية تامة ولم يستطع العدو كشف انفاق حزب الله السرية تحت الأرض.

نعود لموضوع الحكومة، لا يبدو ان حزب الله سيشن حرباً ضد العدو الاسرائيلي، في سنة 2020، الا اذا حصلت مفاجأة، ولا يبدو ان العدو الإسرائيلي سيشن حرباً على لبنان كي لا تسقط «صفقة القرن»، وهنالك جبهة تمتد من لبنان الى سوريا الى العراق الى غزة الى فلسطين، وخاصة الى الجبهة اللبنانية القوية جدا بصواريخها ومجاهديها ومقاتليها.

ويراهن حزب الله على ان الوضع الاقتصادي سيتحسن في لبنان خلال اربعة اشهر حيث سيسعى بكل جهده لمنع حلفائه من استغلال وزاراتهم والحصول على اي صفقة بدون مناقصة كما حصل في صفقة الباخرتين بقيمة ملياري دولار، وذلك بالتراضي ومن دون مناقصة، وكما حصل في معمل دير عمار الذي يكلّف 675 مليون دولار وأيضا بالتراضي ومن دون مناقصة.

كما ان المراقبة العامة الأوروبية لمراقبة صرف 11 مليار ونصف مليار دولار من أموال سيدر1 اذا عاد الاتحاد الأوروبي وارسل مبلغ 11 مليار ونصف مليار دولار لـ 220 مشروعاً محدداً بالمساحة والمكان والكلفة والشروط، وحزب الله موافق تماما على هذه الأمانة العامة للاتحاد الأوروبي كي تشرف على صرف قرض الـ11 مليار ونصف مليار دولار، لذلك هنالك حظ كبير في ان ينجح حزب الله في تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية خلال أربعة اشهر من الان بعد بدء عمل الحكومة يوم الأربعاء المقبل.

وبالتالي فاذا نجحت الحكومة يكون حزب الله قد اعطى صورة ممتازة متطورة راقية الى المجتمع الدولي خاصة الاتحاد الأوروبي، وعند ذلك ستضعف الحملة ضدّه، وبانه حزب إرهابي، بل هو حزب سياسي يشارك في الحكومة ويعمل على النهضة الاقتصادية ومحاربة الفساد وسرقة أموال الشعب اللبناني تزعج الاتحاد الأوربي كثيرا.

فاذا ساير حزب الله حلفائه في الموافقة على مشاريع بالتراضي وليس بالمناقصة، فإنه سيخسر كثيرا وستفشل الحكومة التي وضع كل ثقله لتشكيلها، واذا نجح في كبح حلفاءه، يكون قد نجح، لأنه حزب دولة وحزب سياسي وحزب يتحمل المسؤولية الوطنية كما تحمل مسؤولية المحافظة على سيادة لبنان وردع العدوان الإسرائيلي في عدوان 2006. وبالتالي حزب الله امام امتحان كبير، فاذا نجحت الحكومة التي وضع حزب الله كل ثقله لتأليفها، يكون قد كسب شعبية كبيرة من كل الطوائف، واذا نجح في وقف الفساد وجعل القضاء مستقل والمحافظة على أموال الشعب اللبناني، فان حزب الله سيكون له رصيد عربي واوروبي وعالمي باستثناء الولايات المتحدة و«إسرائيل» اللذين يريدان تدمير حزب الله تدميرا كبيراً.

ولكن، هناك فريقاً كبيراً يعارض حزب الله، من الأحزاب اللبنانية ودول خارجية التي تقول ان أسباب تردي الوضع الاقتصادي يعود لحزب الله ومقاطعة دول العالم للبنان هي نتيجة وجود حزب الله وعمله، وهذا ما أدى لفشل الاقتصاد اللبناني. ولكن اذا نجحت الحكومة فستظهر الطبقة السياسية الفاسدة التي تتحدث عن السلاح الغير شرعي هي التي ضربت اقتصاد لبنان وارجعته الى الوراء وكانت تترك للعدو الاسرائيلي حرية الاعتداء على سيادة لبنان كما يريد.