اذا سأل البابا فرنسيس البطريرك الراعي، وهو ضيفه الآن: ماذا فعلتم بلبنان؟ اذا سأله ايضاً: هل هذا هو لبنان الذي أراده البطريرك الحويك؟

البطريرك الياس الحويك لم يكن بالشخصية الكلاسيكية. الأب الذي كان يتقن العربية، والفرنسية، والسريانية، واللاتينية، واليونانية، كان على شاكلة الكنيسة، زاهداً، متقشفا ً، يحنو على الفقراء. في الوقت نفسه، صاحب مواقف مدوية، ان في محادثات فرساي مع جورج كليمنصو، او في التصدي (وجهاً لوجه) لخطة الجنرال هنري غورو اقامة فديرالية بين لبنان والدويلات السورية التي استحدثها الانتداب ولم يتسنّ لها البقاء.

لم يكن ليتوقع أن يذهب قادة الموارنة الى الصراع الدموي على السلطة. من اقواله يبدو أن الفساد يدخل في البنية الجيولوجية للدولة اللبنانية. في أحد مواعظه (لكأنها البارحة)، قال «أنتم ايها المتسلطون، أنتم يا أولياء الأمر، أنتم يا قضاة الأرض، أنتم يا نواب الشعب، الذين تعيشون على حساب الشعب... وقتكم ليس لكم. شغلكم ليس لكم بل للدولة وللوطن».

الجمهورية جثة مع وقف التنفيذ. الفاتيكان بذل، ويبذل، جهوداً هائلة، خصوصاً مع الاليزيه، لانقاذ لبنان الذي اذا زال زال المسيحيون من الشرق. ابان الحرب الأهلية، قال لنا سعيد عقل «اذا لم يبق المسيحيون في لبنان، لن يعود المسيح الى الأرض».

حديث بين البابا والبطريرك حول لبنان. المشهد مختلف كلياً عما كان عليه منذ مائة عام. ثمة دول خرجت منتصرة من الحرب العالمية الأولى، وراحت تتوزع في ما بينها التركة العثمانية.

شيوخ العرب آنذاك كانوا في منتهى السذاجة، وفي منتهى الغيبوبة. الشريف حسين، بشخصيته الضحلة، هو من تولى التعامل مع الانكليز والفرنسيين، ثم فيصل الأول، الأكثر غباء، والأكثر بداوة، في وجه أباطرة وقناصل في منتهى الحنكة، وبارث ديبلوماسي، واستخباراتي، فذ.

الخرائط كانت ترسم بأحمر الشفاه. وجه ماري ـ أنطوانت لا يزال متوهجاً في قاعة المرايا في فرساي، وحيث انعقد مؤتمر الصلح عام 1919. من هناك خرجت «دولة لبنان الكبير» التي كان البطريرك الحويك يتصورها مملكة مارونية تكرس الارث الالهي في الشرق. المناطق الآخرى ألحقت بها اما من أجل المحاصيل أو من أجل اليد العاملة.

الآن، الخرائط ترسم بالدم. تفكيك لبنان يبدو مستحيلاً. الطوائف، والمصالح، تتداخل مع بعضها البعض. المسلمون منقسمون، ويقبعون على تخوم الانفجار. المسيحيون كذلك. هذا الذي يثير هلع الكرادلة. حاولوا، طويلاً، تصور صيغة بديلة للبنان.

الكونفديرالية قاتلة، الفديرالية قاتلة. حتى الفديرالية المقنّعة (فديرالية الطوائف في وثيقة الطائف) قاتلة أيضاً. لا مجال للعب بخريطة هي بمواصفات... مرقد العنزة!

في روما، كما في العواصم الأوروبية كافة، يعتقدون أن الشرق الأوسط دخل في الفوضى الأبدية، الفوضى الايديولوجية. لبنان في أزمة وجودية. التصدع الداخلي يتداخل، عملانياً، مع التصدع الاقليمي الذي، بدوره، يتداخل مع التصدع الدولي. البيت الأبيض مركز الكون. في داخله رجل غريب الأطوار.

لا ثقة للفاتيكان بالطبقة السياسية. ما البديل في ظل تلك الرياح الهوجاء؟ وكيف يمكن لقتلة المال العام أن يتحولوا، بين ليلة وضحاها، الى ملائكة؟

حتى تحت قبة كاتدرائية القديس بطرس، وحيث تتقاطع أصابع السيد المسيح مع اصابع مايكل أنجلو، الصلاة لا تكفي. حين يكون على رأس الكرة الأرضية دونالد ترامب، بشخصية مصاصي الدماء، ماذا يستطيع أن يفعل الحبر الأعظم، بشخصية فرنسيس الأسيزي؟

الفاتيكان ليس يائساً. رهان على أن تحدث الأزمة، بأبعادها الكارثية، هزة في الرؤوس الملطخة...

الثورة؟ في لحظة ما، كادت أكياس الرمل تفصل بين الطوائف. لبنان هكذا، يبقى أو لا يبقى. كما في اللغة الشكسبيرية: هذه هي المسألة يا سيدتي المركيزة!