التشريك سيدّ الموقف والخيار بين وقف الإنتاج أو رفع التعرفة

بروفسور جاسم عجاقة

قصة الكهرباء في لبنان هي قصة 30 عامًا من الفشل المُتواصل! قصة 40 مليار دولار أميركي تمّ إنفاقها على قطاع لا يؤمّن الكهرباء إلا جزئيًا في عصر أصبح وجود الكهرباء عنصراً أساسياً في الإقتصادات الحديثة. وبالنظر إلى التــقارير الدولية (The Global Competitiveness Report 2019 ) التي تُصنّف الدول بحسب أدائها، نرى أن لبنان يحتل المراتب الأخيرة في تصنيف الدول من حيث نوعية خدمة الكهرباء حتى أن كل الدول المُجاورة للبنان (بما فيها سوريا) تتمتّع بتصنيف أفضل من لبنان!

فخامة رئيس الجمهورية كان قد أشار في تقرير عرضه على مجلس الوزراء منذ ما يُقارب العام ونيّف، أن كلفة الكهرباء (تحاويل + فوائد على الدين الناتج عن هذه التحاويل) بلغت 36 مليار دولار أميركي في الفترة المُمتدة من العام 1992 وحتى العام 2017. وبحساب بسيط، يُمكن الإستنتاج أن هذه الكلفة تخطّت الـ 40 مليار دولار أميركي حتى نهاية العام 2019!

وبحسب التقرير، بلغت قيمة التحويلات من العام 1992 وحتى 2017 ما يوازي 20.6 مليار دولار أميركي مع فوائد بقيمة 15.4 مليار دولار أميركي على أساس مُعدّل فائدة 6.8%! وتُشكّل هذه الكلفة ما يُقارب الـ 45% من إجمالي الدين العام لخدمة تمّ تصنيفها من قبل مكاتب الدراسات على أنها من بين الخدمات الأسوأ في العالم.

وزارة الطاقة والمياه وضعت خطّة في العام 2010 وقامت برفعها إلى مجلس الوزراء ومجلس النواب وتمّ الموافقة عليها، إلا أن ما تمّ تنفيذه من هذه الخطة قليل جدًا! وإذا ما أردنا البحث عن أجوبة عن سبب عدم تطبيقها، ندخل مباشرة في صلب المُناكفات السياسية.

لاحقاً وفي العام 2017، تمّ تحديث هذه الخطّة من قبل الوزارة، إلا أن تطبيقها بقي خجولاً! والعام الماضي قامت الوزارة بطرح خطّة تمّ إعتمادها من قبل مجلس الوزراء وكان من المفروض أن تسلك طريقها للتنفيذ، إلا أن الأحداث كانت أسرع من الحكومة.

عمليًا، 4 مليار دولار أميركي كافية لإضاءة لبنان 24/7، إذًا ما الذي يُبرّر إنفاق أكثر من 40 مليار دولار أميركي على قطاع فيه من الهدر والفساد ما أغضب مُمَوّلي مؤتمر سيدر والذين فرضوا إصلاح هذا القطاع كشرط أساسي للبدء بتحرير الأموال.

التعدّي على شبكات الشركة والتي يقوم بها العديد من المواطنين، هي عامل إضافي في الفساد الذي يعصف بهذا القطاع. ويكفي أخذ القرار على صعيد الحكومة بوقف هذه السرقات ليتمّ خفض الإستهلاك تلقائيًا وبالتالي خفض الدعم للشركة. أيضًا يتمّ بيع الكيلوات بسعر أقلّ بكثير من سعر الكلفة، وهنا نرى أن رفع التعرفة كفيل بإعادة جزء من التوازن المالي عبر خفّض الإستهلاك وبالتالي خفض الدعم للشركة. أيضًا يُمكن للدولة أن تعمد إلى شراء الفيول بنفسها أو توسيع مروحة الشركات التي تُشارك في المناقصات (شركات دولية...) لخفض كلفة الفيول والتي تُشكّل 63% من كلفة إنتاج الكهرباء! هذه الإجراءات تسمح للشركة بالصمود في هذه المحنة بإنتظار أن يتمّ تشريك القطاع الخاص.

النقص في ساعات التغذية يفرض على المواطنين والشركات طلب خدمات المولدات الخاصة التي وبحسب تقرير رئيس الجمهورية تُكلّف ما يُقارب المليار دولار أميركي سنويًا. الجدير ذكره أن المولدات تُنتنج حوالى 1500 ميغاوات مقارنة بـ 1200 إلى 1600 ميغاوات لشركة كهرباء لبنان. وهنا يتوجّب القول أن الكلفة على المواطن للحصول على الكهرباء تتراوح بين 3.5 و4 مليار دولار أميركي سنويًا موزّعة بين تحاويل وزارة المال إلى شركة كهرباء لبنان، الفوائد على هذه التحاويل (بحكم أنها ديون)، قيمة الفواتير المدفوعة لشركة كهرباء لبنان (لمجموع 2.5 إلى 3 مليار دولار أميركي)، وفواتير المولدات الخاصة (مليار دولار أميركي)!

من هذا المُنطلق، نرى أن الإستمرار على هذه الوتيرة أصبح من سابع المُستحيلات. وبالتالي يتوجّب على الحكومة أن تعتمد خياراً بين عدّة خيارات مطروحة: منها خفض ساعات التغذية بهدف الإستفادة من أطول مدّة مُمكنة من الإعتمادات المفتوحة في موازنة العام 2020، طلب إعتمادات إضافية من خارج موازنة العام 2020 عبر المجلس النيابي (مُشكلة التمويل!)، أو القيام بما طرحناه أعلاه أي وقف التعدّي على الشبكة ورفع التعرفة في الوقت الذي يتمّ تسريع عملية تشريك القطاع الخاص والقيام بالإصلاحات المطلوبة في مؤتمر سيدر.

الجدير ذكره أن خطّة وزارة الطاقة تنصّ على إنشاء معامل لإنتاج 4000 ميغاوات بكلفة تُقارب الـ 4.8 مليار دولار أميركي يتمّ تمويلها من الخزينة العامة (1.55 مليار دولار أميركي)، القطاع الخاص (2.33 مليار دولار أميركي)، مؤتمر سيدر (1 مليار دولار أميركي) وجهات أخرى على المدى البعيد (1.65 مليار دولار أميركي).

أثبتت الدوّلة اللبنانية عجزها عن إدارة قطاع الكهرباء (بغض النظر عن الأسباب)، لذا بإعتقادنا أنه من المفروض أن يتمّ إشراك القطاع الخاص نظرًا إلى فعّاليته في الجباية ولكن أيضًا في الإستثمارات التي يقوم بها. وأفضل مثال على ذلك المولدات الخاصة، التي استطاعت تأمين 1500 ميغاوات تمّ تمويلها من خلال الأرباح التي جنتها.

إننا نرى أنه من الضروري أن تعمد الحكومة إلى وقف النزف في قطاع الكهرباء وتُثبت للشعب اللبناني وللمجتمع الدولي أنها فعلاً قادرة على القيام بإصلاحات في ملف عجزت كل الحكومات المُتعاقبة عن إصلاحه وتأمين الكهرباء لكل اللبنانيين على مدار الساعة.