هذه هي استراتيجيتهم، وقد باتت بيّنة للقاصي والداني: لن نسقط قبل أن يسقط الهيكل فوق رؤوس الجميع!

اذا كانت هناك ثورة، والكثيرون يريدونها ثورة الأيدي العارية لا ثورة الأيدي الملطخة بالدم أو الثورة المرصعة بالذهب، فلتتشكل حكومة ثورية الآن، الآن، الا اذا كانت الأشباح قد قتلت روح الثورة، وصرخة الثورة، وديناميكية الثورة، لتحل محلها اسكتشات الأخوين رحباني. أين نجد بنقاء سبع ومنصور ونصري؟

الفرنسيون الذين صنعوا، أواصطنعوا، هذه الدولة باتوا على قناعة بأن بقاءها ليس فقط بزوال المنظومة السياسية وانما ايضاً بزوال النظام السياسي.

مريعة التقارير الدولية التي يتم تداولها وراء الضوء حول الانتهاكات التي حصلت في المال العام. أرقام خيالية. بين المتورطين من يدّعي نظافة الكف، والدفاع عن الناس، وعن حقوق الناس. ونصفق...

تردد أن أحد التقارير الذي وصل الى أنطوني غوتيريش اذ يعتبر أن الدولة سقطت في لبنان، ولا مجال لاحيائها بالتركيبة الحالية، يصف بعض بارونات الطبقة السياسية بأنهم الأكثر فساداً، والأكثر صلفاً، في التاريخ. لم يكن لهولاكو، ولم يكن لدراكولا، ولم يكن لبوكاسا، أن يفعل بلبنان ما فعلت أيديهم...

لا نراهن البتة على أن تكون حكومة الرئيس حسان دياب، ودون أن نشكك في آدمية الرجل وفي تصميمه على وقف التدهور، حكومة الانقاذ. غالبية الأعضاء، الذين سقطوا، منذ الساعة الأولى، في غواية الضوء، يدارون، كما الرسوم المتحركة، من وراء الجدران.

العالم راعه البطء في التعاطي مع الأزمة. البطء الذي لا يمكن الا أن يكون مبرمجاً. لعلهم ينتظرون أن يتحول الرعايا الى هياكل عظمية، وتجثو على أقدامهم على أنهم آلهة الخلاص.

لا يعنيهم أن يقال عن أحدهم، أو عن بعضهم، انه دفن المليارات من العملات الصعبة، على أنواعها، في صناديق حديدية ترقد بأمان في دهاليز القصر. وليبلّطوا البحر في سويسرا !!

مللنا من ببغائية البعض، وضحالة البعض، الذين يلوّحون، بين الفينة والأخرى، بالوثائق التي تعرّي قتلة المال العام. هذا لا يمكن أن يحدث في أي بلد آخر. النائب الحقيقي، والسياسي الحقيقي، لا يلوّح بالوثائق. يدفع بها الى الرأي العام لكي توضع الأصفاد في أيدي المرتكبين ويساقون الى ما وراء القضبان.

لا أحد من الذين تحدثوا عن الوثائق كشف عن اسم واحد. كفانا تلاعباً بأنين الناس، وبصراخ الناس. هذا هو الوقت الذهبي لكي تعلق المشانق. أيتها الثورة الجميلة، أليس بين أبنائك من يمتلك مواصفات جمال باشا السفاح؟

لماذا الاصرار على أن يبقى الفاعل مجهولاً؟ (مع الاعتراف بسذاجة السؤال). ولماذا قتل الوقت العام بالطريقة نفسها التي قتل بها المال العام. الوقت، في هذه المحنة الكبرى، أثمن من أي شيء آخر. أسابيع في تشكيل حكومة اقرب ما تكون الى البطة العرجاء ما دامت قد قامت على المحاصصة، وأيام مضنية لصياغة البيان الوزاري أو لمناقشة البيان، بنصوصه الطوباوية حيناً، الملتبسة حيناً آخر...

غريب ألاّ يكترثوا بما يجري حولنا. لعبة الأمم، ولعبة الأمبراطوريات، وحتى لعبة القبائل، في ذروتها. في لحظة ما قد نصبح في مهب الحرائق. في لحظة ما قد تتساقط الخرائط. أولياء أمرنا يدخنون الأراكيل في مقاهي المريخ. ما زالوا، رغم كل صيحات الغضب، على رأيهم بأن الثورة فقاعة، وبأن هؤلاء الناس الذين في الشوارع قصاصات بشرية لا تصل الى مكان.

انهم يلعبون بأوقاتنا، ويلعبون بأعصابنا، ويلعبون بمصيرنا، الى أن نقع أرضاً، ولقد وقعنا. أما من فرصة أخيرة لكي نواريهم الثرى قبل ان يوارونا الثرى؟ لا نظن ذلك...