الروس غاضبون. لطالما تحدثوا عن «الشخصية الفرويدية» لرجب طيب اردوغان. الاقتراب منها أشبه ما يكون بالاقتراب من معسكر للمجانين. ذات يوم، نقلت عنه «النيويوك تايمز» وصفه للروس بالدببة القطبية، «وأنا أتقن مراقصة الدببة»!

التعقيدات الأبوكاليبتية على الأرض السورية جعلتهم يقبلون بالتسوية معه. مثلما تصور أن مشاركته في تصنيع بعض معدات القاذفة «الشبح» (اف ـ 35 )، وكذلك استضافته منشآت الدرع الصاروخية، تمكّنه من استخدام الولايات المتحدة في اعادة احياء السلطنة، هكذا تصور حين اشترى منظومة «اس. اس ـ 400»، وطلب تصنيع الـ«اس. اس ـ 500» في بلاده. القيصر بحاجة اليه، وسيكون الخاتم في اصبع السلطان.

كثيرون في الغرب كتبوا عن «الاعتلال البنيوي» في شخصيته. أوبير فيدرين قال له «لا تستطيع الا أن تكون حصاناً خشبياً للبيت الأبيض».

سياساته اللولبية أثارت ذهول الكرملين. في سوتشي، كما في استانا، قبل على مضض بوحدة الأراضي السورية. عملياً، ماذا يعني ذلك سوى أن يبسط الجيش السوري سلطته على هذه الأراضي؟

أخيراً، فلاديمير بوتين ضاق ذرعاً به. المراوغة في حدودها القصوى. ولا خطوة في اتجاه معالجة الوضع في ادلب. خلاف ذلك. راح يستخدم أكثر التنظيمات راديكالية في الضغط على دمشق وموسكو معاً.

تليمحات هي أقرب الى التهديدات وجهها الى الكرملين. واشنطن أعلنت تأييدها له في منع الجيش السوري من استعادة أرضه. رسالة فائقة الحساسية وصلت الى أنقرة : قوات روسية ستقاتل الى جانب الجيش السوري!

ما يحدث يشي بتواطؤ ما بين رجب طيب اردوغان ودونالد ترامب حول «صفقة القرن». الضجيج الذي أثاره الرئيس التركي يرمي الى تغطية مواقفه الدونكيشوتية حيال الصفقة. بدل أن يتصدى لبنيامين نتنياهو, بعث بدباباته لمواجهة بشار الأسد.

اردوغان لم يتوقف يوماً عن الرهان على الكوندومينيوم التركي ـ «الاسرائيلي» لادارة الشرق الأوسط (الرجاء العودة الى أفكار قادة الاتحاد والترقي). ايران لا مكان لها على المسرح. هي من «دين» آخر، ثم ان زمن «الايديولوجيات المتجهمة» قد انقضى.

برنار ـ هنري ليفي كان أول من دعا بنيامين نتنياهو الى التوأمة بين أورشليم واسطنبول. الآن، اذ يعتبر ليفي أن هذا هو «الوقت الالهي» للذهاب بالصفقة الى نهاياتها السعيدة، يدعو البلدان العربية الى التخلي عن السياسات الملتبسة، والتفاعل مع المسار التاريخي، والاستراتيجي، للصفقة. أولى الخطوات خطوة احتفالية: قمة عربية ـ «اسرائيلية» تضع خارطة طريق للشرق الأوسط الجديد...

الروس لا يستبعدون أن تؤدي «صفقة القرن» الى حدوث هزات مدوية في الشرق الأوسط.

الفلسطينيون يشعرون بأنهم في خطر وجودي. لن يكتفوا، في المرحلة المقبلة، بالحجارة والسكاكين. شيء ما يحدث تحت الأرض، ولا بد أن يطفو، في أي لحظة، على السطح.

المحللون العسكريون الأوروبيون يرون أن «اسرائيل» اليوم أضعف بكثير من «اسرائيل» الأمس، والا كانت دباباتها تنشط الآن خارج حدودها. الصواريخ تحيط بها من كل حدب وصوب.

خلال اللقاء الأخير في الكرملين، وكما يستشف من مصادر ديبلوماسية روسية، كانت نصيحة بوتين لنتنياهو «الدولة الفلسطينية لا الغيتو الفلسطيني، والا القنابل البشرية بانتظاركم».