انتظار البيان الوزاري في شقه الاقتصادي بات «لزوم ما لايلزم»، واذا لم يشهد الاداء الحكومي «قفزة نوعية» غير مسبوقة تتلاءم مع الازمة الخانقة الراهنة في البلاد، فسيكون الانهيار مختلفا هذه المرة، لان المرحلة تحتاج تفكيراً ثورياً من «خارج الصندوق»، ودون ذلك ستسقط التجربة الحكومية مبكراً دون الحاجة الى فترة السماح الداخلية والخارجية المعطاة لها، ليس هذا «كرم اخلاق»، تقول اوساط سياسية مطلعة، وانما بفعل غياب البدائل القادرة على الامساك بالقرار السياسي والاقتصادي على الساحة اللبنانية بعيداً عن نفوذ حزب الله، ولذلك ستبقى ساحة «اهتزاز» لا «سقوط»، واذا كان الحزب قد نجح في ايجاد التوازن السياسي المطلوب بين منع محاولات اقصائه من الحكومة، واستمرار سيطرته على قرارها «الاستراتيجي»، فان الولايات المتحدة وحلفاءها ارتضوا التعايش مرحليا مع الواقع الراهن، فكل الاطراف تتحين الفرصة لمراكمة «اوراق القوة» التي تسمح بفرض الوقائع الى «الطاولة» حين يأتي وقت «التسويات» «والصفقات» الاقليمية، بينما بدأ حزب الله «السباق» مبكراً مع الحلفاء من «بوابة» حلب - ادلب فيما يخوض «خصومه» المواجهة في «ساحة» بعبدا...

وفي هذا السياق، تشير اوساط دبلوماسية معنية بالملف اللبناني الى ان حصر النقاش الداخلي في لبنان بمكافحة الفساد وانقاذ الوضع الاقتصادي يبدو هامشيا اذا لم يقرن بالتطورات الهائلة التي تمر بها منطقة الشرق الاوسط، فالوضع المالي والنقدي في البلاد قابل للحل بمجرد وجود قرار دولي جدي بمساعدة لبنان، لكن العقبة الرئيسية في هذا الاطار تبقى مرتبطة بمسألتين رئيسيتين الاولى فساد الطبقة السياسية غير المسؤولة التي تتعامل مع لبنان باعتباره منجم ذهب وتواصل نهبه دون الاكتراث لمصيره، والمسألة الثانية لها علاقة مباشرة بالضريبة السياسية المطلوب دفعها في اطار الصراع الكبير الدائر في المنطقة...

واذا كان اي حل اقتصادي داخلي يبدأ بإنهاء الزبائنية السياسية، وتحمل كل الذين شاركوا في عملية «النهب» الممنهج مسؤولية ارجاع الاموال المنهوبة، وتحميل القطاع المصرفي مسؤولياته الوطنية المطلوبة عبر اجراءات حكومية صارمة تعيد هيكلة الدين «وتصفير» بعضه، فإن «المساعدات» الاقتصادية الخارجية ستكون «بالقطارة» تسمح بعدم سقوط لبنان في الفوضى، لكن ازدهاره يبقى مرتبطا بملفات اساسية تبدأ بـ«صفقة القرن» ولا تنتهي بالغاز والكباش المتصاعد بين الولايات المتحدة وايران...

وبرأي تلك الاوساط، انتقل صراع التوازنات على الساحة اللبنانية على محاولة خصوم حزب الله ضرب عهد الرئيس ميشال عون، لاسباب داخلية واقليمية، فيما يعمل الحزب على تأمين عبور آمن نحو العهد الجديد، وهذا الامر يتطلب الكثير من العمل المضني بعدما تعرض التيار الوطني الحر الى الكثير من «الندوب» وبعضها غير قابل «للشفاء، اما الإبتعاد عن المحاور، فهو امر شكلي لا يقتنع به احد في الداخل او الخارج، ورغبة المجتمع الدولي باعطاء فرصة للحكومة لكي تثبت صدقية وعودها ليس الا التزاماً محدوداً زمنياً وهو قابل للتغيير على وقع التطورات المتلاحقة في المنطقة، وهناك من بات على قناعة في واشنطن انه من المستحيل الوصول الى تسوية على الساحة اللبنانية بمعزل عن انتهاء الازمة مع ايران...

ونصحت تلك الاوساط بعدم اهمال تطورات الملف السوري، حيث بدأ الكلام الجدي عند «خصوم» حزب الله عن نجاحه في «شراء الوقت» لبنانيا للتفرغ مجددا للجبهة السورية التي تتجه نحو تطورات دراماتيكية على وقع قرار روسي - ايراني لحسم المعركة في ادلب... وللمرة الاولى منذ فترة طويلة يعود الحزب للمشاركة بزخم في المعارك الدائرة على جبهة حلب - ادلب، الى جانب لواء «الفاطميين» الافغاني الذي يشارك بفعالية عقب اغتيال الجنرال قاسم سليماني، وفي ذلك «رسالة» واضحة الى من يعنيهم الامر، بان الخيارات الاقليمية ليست قابلة للتفاوض، والضغط الداخلي على الساحة اللبنانية لن يؤثر في استراتيجية الحزب التي لا يمكن فصلها عن الهدف الرئيسي الذي اعلن عنه الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي يهدف الى إخراج الأميركيين من المنطقة. ولهذا السبب هناك توجه لإنهاء الحملة على إدلب، والانتقال إلى شرق الفرات «لطرد» الأميركيين، وهذا سيكون تحولاً استراتيجياً في المواجهة الدائرة في المنطقة.

وفي هذه اللحظات الحاسمة، لا بد من عدم تجاهل الدور الروسي الحاسم انطلاقا من «البوابة» السورية، فموسكو تريد انهاء «الابتزاز» القائم ضدها على الساحة السورية، سواء جاء ذلك من تركيا او من الولايات المتحدة الاميركية، وتريد ان تثبت نفوذها من خلال وقف حرب الاستنزاف المستمرة، واذا ما تم اقفال ملف ادلب قريباً سيكون النظام امام مرحلة تعاف جدي للمرة الاولى منذ بداية الازمة في العام 2011وهذا سيترك انعكاساته المباشرة على الساحة اللبنانية التي تتأثر تلقائياً بما يجري على الحدود الشرقية...

وفي هذا السياق، يبدو النائب السابق وليد جنبلاط اكثر المدركين لمخاطر هذه التطورات، وينقل عنه زوراه تأكيده أنه غير «مرتاح» ويشعر «بالقلق» لمسار الاحداث، فموسكو تغيرت وباتت اكثر «شراسة»، وهي «جارة» على الحدود اللبنانية، ومن الخطأ تجاهل نفوذها، ومن لا يرى ذلك يكون مخطئا، «فالبيك» لا يثق بالولايات المتحدة الاميركية، ويدرك جيدا انها «تناور» في تعاملها مع الملف اللبناني، ولذلك ينخرط عن قناعة في المواجهة مع العهد، اولا، لان الرئاسة الاولى تبقى اساسية في المعادلة وتشكل «جسر عبور» للنظام السوري الى لبنان، وثانيا لعدم قدرته على الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله...

وامام هذه المعطيات، يتفق الجميع على توصيف المرحلة الراهنة بأنها مجرد «وقت مستقطع»، ثمة «لعبة» اقليمية تتجاوز قدرة غالبية الاطراف المحلية، وحده حزب الله يشارك في رسم «الخرائط» في المنطقة، يستفيد من محدودية القدرة الاميركية على التغيير لبنانيا، يعطي الدعم الكامل لحكومة حسان دياب لانقاذ ما يمكن انقاذه اقتصاديا، فيما تبقى «العين» على التطورات خارج الحدود سواءا كانت في الشرق او الجنوب وبعده «يبنى على الشيء مقتضاه»...