بغض النظر عن طبيعة الاجراءات الموجعة والشاملة التي يفترض ان تعمل لها حكومة الرئيس حسان دياب مباشرة وتدريجاً بعد نيلها ثقة مجلس النواب، لكن المسار الاول والاهم لكي تأخذ الحكومة ثقة المواطن وثقة المجتمع الدولي، وهو في العمل الجدي والشفاف لمحاربة الفساد ومحاربة الفاسدين وشموليتها كل الذين تدور حولهم شبهات سواء الذين تعاطوا بالشأن العام بكل تفاصيله، او اولئك الذين تهربوا من دفع ما هو عليهم من ضرائب للدولة واولئك الذين كانت لهم ادوار مختلفة في كل انواع المخالفات على انواعها بما في ذلك التهرب الجمركي.

والواضح- بحسب وزير سابق - ان كل الاجراءات التي قد تتخذها الحكومة مالياً ونقدياً واقتصادياً لوضع الحلول على السكة المطلوبة، تبقى ناقصة وغير ذي معنى، اذا لم يواكبها خطة واسعة وشاملة لمحاربة الفساد ومحاسبة كل الذين استفادوا من المال العام ليس منذ الامس القريب، بل منذ ثلاثين عاماً، وان لا يستثنى اي مشتبه به، مهما كان موقعه.

لذلك، فالسؤال، الاول الذي يطرح نفسه بالحاح، هل تستطيع الحكومة في حال كان لديها النية والرغبة في سلوك الاصلاح الشامل وبوابته محاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين؟

حتى الآن، رغم الانتفاضة الشعبية واقرار كل الطبقة السياسية الحاكمة بان الفساد والمفسدين كانوا جميعاً السبب الاول للانهيار الذي وصلت اليه البلاد، الى جانب شروط المجتمع الدولي لمساعدة لبنان وعنوانها محاربة الفساد، لا وجود لرغبة فعلية من جانب القوى السياسية المختلفة من داخل الحكومة وخارجها بشمولية الاصلاح ومحاربة الفساد ومحاسبة المفسدين، حيث ان اي تيار سياسي او حزب ممن شاركوا في ادارة شؤون الدولة وعلى كل المستويات ليس فقط بما ساهم كل طرف وفريق في هدر المال العام باشكال مختلفة، بل ان احداً من هذه القوى لم يقرّ بانه يتحمل جزءاً كبيراً او صغيراً من الانهيار، باستثناء حزب الله بعد ان كان اعلن الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله ان الحزب يتحمل جانباً من المسؤولية على قدّر مشاركته في الحكومات وفي الشأن العام، مع العلم انه بقي خارج منطق الصفقات وتقاسم الحصص ولو انه كان يفترض من وزراء الحزب حيث شاركوا في حكومات ما بعد العام 2005، رفع الصوت عالياً بوجه ما كان يحصل من صفقات داخل هذه الحكومات.

والى جانب هذا الانكار من القوى السياسية لدورها في تقاسم الصفقات والحصص، وآخر تجلياتها الصفقة السياسية التي كانت ابرمت قبل حوالى ثلاث سنوات بين الرئيس سعد الحريري والوزير جبران باسيل، والاخطر ان كل فريق سياسي يرفض ان تطال المحاسبة محميات الفساد والهدر للمال العام والمقسمة بين اكثرية القوى السياسية، بدءاً من عشرات المؤسسات العامة والوزارات حيث جرى صرف مليارات الدولارات على الصفقات والتلزيمات والتنفيعات السياسية، على غرار ما كان يحصل في مجلس الانماء والاعمار او وزارة الاتصالات ومرافق اخرى بالعشرات، بل ان اكثر من طرف سياسي يتعمد التلطي بالحصانات الطائفية والسياسية لتغطية المرتكبين. وصولاً الى عرقلة اي تحقيق قضائي حول ما ارتكب من مخالفات في هذه المؤسسات والمرافق، وحتى اطلاق كل انواع الاتهامات بحق من يتجرأ على الدعوة للتحقيق بانفاق عشرات مليارات الليرات في هذا المرفق او تلك المؤسسة.

ولذلك، فالسؤال الاخر الذي يحتاح اجوبة من الحكومة في الفترة القريبة ومعها كل القوى السياسية المختلفة المشاركة فيها، او المعارضة لها، ما مدى جدية الاصلاح وشموليته الذي ستنكب عليه في وقت تؤكد كل التجارب الاصلاحية السابقة، ومعها ما حصل من محاولات فاشلة لمحاربة الفساد ومحاسبة المفسدين، لانها اقتصرت على بعض ابواب الفساد البسيطة، ورغم الحاجة الى مواجهتها على غرار ما حصل قبل اشهر عبر الملفات التي احالها القصر الجمهوري الى القضاء او غير ذلك من ملفات لبعض الفاسدين جرى التغطية عليها كما حصل في وزارة التربية او مصلحة تسجيل السيارات او تغطية المخالفين على نهر الليطاني ومخالفات لا تعد ولا تحصى جرى التغطية عليها.

وعلى هذا الاساس، فالتحدي الاكبر امام الحكومة في قدرتها على الخوض بعملية اصلاح شاملة، والكل يدرك ان هذا الاصلاح لا يستقيم دون محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين، وهو ما يفترض ان ينطلق من الاسس الاتية:

1- مسارعة الحكومة الى تبني اقتراح القانون المعد سابقاً حول اصلاح القضاء، مع ادخال الاصلاحات المستجدة والضرورية عليه، بما يتيح استقلالية القضاء وكل اجهزة الرقابة، وفي الدرجة الاولى رفع الهيمنة السياسية عن القضاء واجهزة الرقابة تأسيساً لمرحلة جديدة في المحاسبة، وفتح كل ملفات الفساد التي تفشت في كل مرافق ومؤسسات الدولة منذ اكثر من ثلاثين عاماً وحتى اليوم.

2- مواكبة فاعلة من مجلس النواب مع كل ما هو ضروري لاستقلالية القضاء، ورفع الحصانات عن الموظفين خاصة الكبار، وكذلك تعديل قانون محاسبة الوزراء والنواب، حتى يبقى هذا القانون متكئاً لكثيرين للتهرب من اي محاسبة، وكذلك ما له علاقة بالحصانة الممنوحة للنواب، من حيث محاسبة من ثبت تورطه بقضايا فساد من نواب سابقين وحاليين.

3- ان تغيير القوى السياسية المختلفة عن سلوكياتها السابقة، من حيث التلطي بالحصانات الطائفية والسياسية لمنع محاكمة اي متهم بالفساد ينتمي لهذه القوى، وكذلك ضرورة فتح ملفات الانفاق في كل المرافق والمؤسسات العامة على مختلف أشكالها وتنوعاتها، بما يتيح للقضاء محاسبة من تثبت مشاركته بهدر المال العام، وصولاً الى ضرورة اعادة النظر بدور هذه المؤسسات بعد ان بات العشرات منها عبئاً على المالية العامة، خصوصاً ان لجوء هذه القوى السياسية الى عرقلة الاصلاح والمحاسبة من شأنه ان يعيد الامور الى نقطة الصفر، وفي أحسن الاحوال يتم تقديم بعض الاشخاص من المتهمين بالفساد بحث يشكلون «كبش محرقة» للتغطية على الفساد الحقيقي والاكبر في الدولة واجهزتها ومؤسساتها.

4- ضرورة أن تكون مقاربة العملية الاصلاحية ومعها خطة مواجهة الفساد والهدر وفتح ملفات الهدر في السنوات الثلاثين الماضية شفافة وبعيدة عن الكيدية وعن استثناء هذه المرفق او تلك الشبهة، وان لا تراعي اي فريق سياسي لغايات سياسية او تحت الضغط من هنا او هناك، بل ان انجاح خطة الاصلاح ومحاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين تستوجب عدم التوجه لاشخاص او الايحاء بأن المقصود اسماء من فريق سياسي دون غيره، فالضرورة والجدية تستوجبان بعد اصلاح القضاء واستقلاليته الطلب من القضاء عدم استثناء اي مرفق او مؤسسة، او كل ما حصل بما خص انفاق المال، والتعدي على أملاك الدولة، وغير ذلك فالاصلاح ومحاربة الفساد سيصطدمان بتوترات سياسية وطائفية ستفضي حتماً الى إسقاط ما هو مطروح من جانب الحكومة الجديدة والانتفاضة الشعبية وكثير من الاطراف الداخلية بما خص اصلاح مؤسسات الدولة واستنهاضها، وبما يفضي الى محاربة الفساد والمفسدين، كما ان اصلاح ومحاربة الفساد لا يقومان على الشفافية والشمولية لن يؤديا الى الانقاذ، ولن تستطيع الحكومة استعادة ثقة المواطن وثقة المجتمع الدولي.