من كان يظنّ أن جمع «اليمين» و«اليسار» أمرا مستحيلا، فأول من أمس تحقق الأمر، اذ اعلنت الصفحة الرسمية للحزب الشيوعي أن قيادتها استقبلت وفداً من المكتب السياسي لحزب الكتائب حيث بحث الطرفان التطورات السياسية في لبنان، خاصة بعد تشكيل الحكومة الجديدة التي لا تختلف في مضمونها عن الحكومات السابقة، ولا تلبي تطلعات الشعب اللبناني الذي انتفض وملأ الساحات من أجل إحداث تغيير في منظومة الحكم القائمة، كما تطرق البحث إلى التغييرات المطلوبة للخروج من الأزمة القائمة على صعيد السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية، وقوانين الانتخابات والاحوال الشخصية التي تشكل أساساً لبناء الدولة المدنية.

بعض الشيوعيين أظهروا امتعاضا واسعا من اللقاء من خلال التعليقات على الخبر، وهذا الاعتراض ليس الأول من قبل شيوعيين بوجه القيادة، ولن يكون الأخير، خصوصا وان المناصرين باتوا في مكانين، قد لا يكون من المناسب الدخول في تفاصيلهما في هذا المقال. لم تخرج الانتقادات عن المألوف، ولكن مصادر قيادية في الحزب الشيوعي، انتقدت بدورها المنتقدين، مشيرة الى أن الحزب كأي حزب آخر، يملك قناعاته ورؤيته وخياراته، ولكن هذا لا يعني أن لا يتحاور مع جميع اللبنانيين، مثله مثل باقي الأحزاب في لبنان، سائلة: «هل اذا التقى حزب الله مع حزب الكتائب، ستُقام ردة الفعل نفسها على لقاء الحزب الشيوعي وحزب الكتائب؟».

وتكشف المصادر أن لقاء أول من أمس لم يكن اللقاء الأول من نوعه بين الحزبين، بل هو الثالث بينهما، فبينما كانت بعض اللقاءات السابقة تُعلن عبر الإعلام كذلك الذي حصل في كانون الثاني من العام 2017، هناك لقاءات لم تُعلن عبر الإعلام، كذلك فلا مانع من حصول لقاءات مستقبلية أخرى طالما أن النقاش يدور حول الأهداف المشتركة من الثورة الشعبية الموجودة في لبنان.

لا يريد الحزب الشيوعي ربطه بأي حلف سياسي قائم في لبنان، لا 8 آذار، ولا 14 آذار، فهو لم يستفد من الحلفين سابقا لا في انتخابات ولا في مشاريع سياسية مشتركة، ولا يريد أن يستفيد منهما، ولكنه يسعى لتحقيق أهدافه عبر اللقاء مع كل حزب معارض يتقاطع معه بالأهداف، ولو كان يمينيا.

وتلفت المصادر في الحزب الشيوعي أن اللقاء لا يعني التحالف، لأن كلمة «تحالف» تعني الكثير، وربما يمكن الاكتفاء بكلمة «تعاون» لتوصيف ما يجري بين الشيوعي والكتائب، مشيرة الى أن هذا التعاون يتم في نقاط محددة، لا تحتاج الى كثير من الجهد للاتفاق حولها، رغم علم الطرفين أن هناك نقاطا أساسية استراتيجية خلافية بينهما تمنع حصول التحالف بما تعنيه الكلمة من اتفاق على مشروع متكامل.

بالنسبة الى حزب الكتائب، فإن مصادر قيادية فيه تعتبر أن الحزب الذي يمارس المعارضة في السنوات الماضية وخرج من مسرحية السلطة، لا يمكن أن يظل عالقا في الماضي دون النظر الى المستقبل، ومن هنا يأتي اللقاء في هذا التوقيت بالذات حيث تجمع الكتائب بالحزب الشيوعي أفكار الثورة والانتفاضة الشعبية. وتؤكد مصادر الكتائب أن للحزب مبادئه التي يسير عليها، إنما بما يخصّ «الثورة» فهو لا يمانع من اللقاء مع أي طرف لأجل تحقيق الأهداف العليا للثورة، وإسقاط منظومة الحكم التي أوصلتنا الى هذه المرحلة الصعبة.

طُرح الكثير عن توحّد احزاب المعارضة بحراك 17 تشرين، أي الكتائب والقوات، والشيوعي، والوصول الى ورقة عمل مشتركة، ولكن بالنظر الى أسماء هذه الاحزاب وخلفياتها يتضح أن الخلافات الاستراتيجية بينهم أكبر بكثير من النقاط المشتركة، الامر الذي يرجّح التوصل الى اتفاقات مرحلية حول نقاط محددة، كالموقف من حكومة حسان دياب مثلا، دون الوصول الى تحالفات، وتحديدا بين الحزب الشيوعي الذي ينادي بقانون انتخابي خارج القيد الطائفي وعلى أساس لبنان دائرة واحدة مثلا، وحزب الكتائب الذي ينادي بالعكس تماما، أي بقانون الدوائر الصغرى.