يخشى البعض من أن تمرّ «صفقة القرن» على حساب لبنان ودولة المنطقة، كما على فقدانها الأراضي العربية المحتلّة من قبل القوّات «الإسرائيلية»، لا سيما مزارع شبعا اللبنانية والتي جرى ضمّها على الورق الى خارطة «دولة إسرائيل العظمى»، على ما أسماها الرئيس الأميركي رونالد ترامب. غير أنّ مصادر وزارية واسعة الإطلاع أكّدت أنّ تجربة لبنان من سنة العام 1991 تقول إنّه لا يُمكنك بناء جسور في منتصف النهار ولا يُمكنك إلغاء هويات. ومن الخطر البدء بمنطق التحريف، إذ لا يُمكن إسقاط قرارات الأمم المتحدة... والمفارقة أنّ دولاً صوّتت وأعلنت مسؤوليتها عن هذه القرارات، لهذا لا يُمكنها التراجع عن موقفها، لأنّ هذا يؤسّس للفوضى. قد لا تلتزم بعض الدول بتنفيذ القرارات الدولية أو تؤخّر تنفيذها ولكن لا يُمكنها إسقاطها.

وشدّدت المصادر، على أنّه لا يُمكن إسقاط القرارات الدولية، ليس فقط أخلاقياً إنّما قانونياً وسياسياً أيضاً، ليس فقط بالنسبة للبنان وللدول العربية إنّما أيضاً في العالم. فأي قرار صادر عن مجلس الأمن ويتأسّس عليه في أوروبا أو آسيا أو أفريقيا، لا يُمكن سحبه إذا شاءت إحدى الدول القيام بذلك، لأنّ ذلك يؤسّس بيد هذه الدولة وبوعيها لنظام الفوضى. والدول الموقّعة على هذه القرارات تتمتّع بحقّ النقض «الفيتو» لهذا لا يُمكنها سحب توقيعها أو انتزاع موافقتها على أي قرار سابق صادر عنها.

وفي ما يتعلّق بموضوع مزارع شبعا التي ضمّتها الخطّة الأميركية لما اسمته السلام في منطقة الشرق الأوسط، الى دولة الاحتلال الاسرائيلي التي تودّ إنشاءها على الأراضي الفلسطينية المحتلّة، وتوسيع رقعتها الجغرافية على حساب الدول المجاورة ومن ضمنها لبنان، أشارت المصادر نفسها على أنّه ليس من أي دولة تُوافق على التنازل عن أرضها. والمشروع الأميركي المقدّم هو مشروع مجتزأ، فغور الأردن يبقى تحت سيطرة الاحتلال الاسرائيلي، وكذلك الجولان والقدس بكاملها، ولهذا فهو «لن يُقلّع». وإذا أرادت أي دولة عربية مناقشة هذا المشروع فهذا حقّها، وهذه الدول هي التي تمسّكت على مستوى وزراء الخارجية العرب يومي السبت والإثنين الفائتين بما هو «قرارات». وصحيح أنّها لن تُحارب ولكن لا يُمكنها إحلال السلم وكلّ يوم يمرّ يُصبح السلم أصعب، فليس من دولة تتخلّى عن أرضها بهذا الشكل. وبالتالي، هذا هو الوضع القانوني، أمّا سياسياً فيجب التمييز بين شيئين: إنّ القتال (أو المقاومة والنضال) شيء والتوقيع قانونياً شيء آخر. هذان موضوعان مختلفان. فإذا لم تضع أي دولة مستنداً في الأمم المتحدة حول تخلّيها عن هذه الأرض أو هذا الكرسي فلا تكون قد تخلّت عنها قانونياً. وهذا أمر أساسي، أيّاً كان موقف هذا الشخص أو ذاك من سياسة هذه الدولة أو تلك. والخطورة أنّه لا يُمكن التأسيس لهذا المنطق، فغداً تأتي دولة أوروبية أو أفريقية وتأخذ أرضاً من دولة أخرى... إنّ مجمل الحدود، في العالم النامي، كما هو معروف، رُسمت أيّام الإستعمار، فالموضوع واضح.

وحول إذا ما كانت الحكومة الجديدة ستُحرّك مسألة تثبيت الحدود البرّية وترسيم الحدود البحرية مع العدو الإسرائيلي، ذكرت المصادر أنّ موقف لبنان واضح في هذا السياق، وهو ترسيم الحدود البحرية، وتثبيت الحدود البرّية في 13 نقطة موضع نزاع، وهذا أمر أساسي، وليس مسؤولاً عن موقف أي طرف آخر. ومن ثمّ تفعيل قرارات الأمم المتحدة، على الأقلّ، برّاً سيما أنّ قرارات الأمم المتحدة واضحة ونحن متمسّكون بها. والحلّ المطروح، كما استذكرت، هو «الإنسحاب من كافة الأراضي العربية المحتلّة وإقامة دولة فلسطينية» الخ.... هذه الأمور واضحة، وإذا كانت ثمّة دولة لا تُسرّع في تحقيق هذا القرار، إلاّ أنّ هناك فارقاً بين أنّها لا تُقاتل من أجل استعادتها، وبين أنّها لا تتخلّى عنها. و«جميع الأراضي العربية المحتلّة» تعني لبنان، وسوريا وفلسطين وبالتالي خروج العدو الإسرائيلي منها.

وأوضحت المصادر أنّ ترسيم الحدود مع سوريا يُعتبر شيئاً، فيما الإنسحاب من الأراضي المحتلّة، أكانت لبنانية أو غير لبنانية، شيء آخر. فما صدر عن قمّة بيروت في العام 2002، هو أن «لا شرعية للإحتلال الإسرائيلي وفقاً لمبادىء الأمم المتحدة». وإذا لم تُنفّذ القرارات ذات الصلة، فلا بدّ من محاربتها بالقوّة، أو من خلال القيام بعمل ديبلوماسي قوي مرتبط بأمر آخر يُجبرها على الإنسحاب منها. فثمّة قنوات عديدة، وفي نهاية الأمر «لا أعتراف» سيما أنّنا في حالة حرب مع العدو الإسرائيلي. وتساءلت: من سيقف ويقول إنّه ضدّ قرارات مجلس الأمن التي تقرّها الدول الخمس الدائمة العضوية فيه، وإذا لا تُوافق أي منها عليها لا تصدر سيما أنّها تتمتّع بحقّ النقض «الفيتو»، كما أنّ أي قرار يُصبح مُلزماً؟

وبالنسبة لتعزيز العلاقات مع الدول العربية، لفتت المصادر نفسها الى أنّ للبنان علاقات ديبلوماسية كاملة مع سوريا من خلال وجود السفيرين. وحكومة دياب تمشي بخطوات واثقة تحظى بدعم وإجماع. وتسعى، بشكل خاص، الى تعزيز العلاقات مع جميع الدول العربية بما فيها دول الخليج، بحسب ما ورد في بيانها الوزاري، وهذه أولوية لديها، كما مع المجتمع الدولي من جهة ثانية. وعند الحديث عن تعزيز العلاقات لا يأتي ذلك على حساب العلاقات مع الدول الأخرى. فلدى لبنان مصلحة أن يكون البيت العربي مُعافى، قدر الإمكان، ليس ضدّ أحد بل على العكس، ثمّة دوائر عديدة يُمكنها احتضانه وله مصلحة بهذا الدور. وتمنّت أن يكون دور لبنان «الإطفائي» في هذا البيت سيما وأنّ له مصلحة في علاقات جيّدة مبنية على احترام السيادة والقانون الدولي مع جميع الدول.