بات ثابتاً أن الموجة الأولى من الإنتفاضة الشعبية التي بدأت في 17 تشرين إنتهت، وكل ما يعاش اليوم هو موجات إرتدادية للحدث الكبير الذي بدأ حينها، مع العلم ان التحركات الشعبية المستمرة من المفترض أن تحدث تغييرات بنيوية في طبيعة المجتمع السياسي اللبناني، كما أنها فرضت على جميع القوى السياسية القيام بمراجعات وخلقت نوعا من آليات الضغط الحقيقية القادرة على الفعل وإجبار السلطة أياً كانت على القيام بردّة الفعل، وهذا ما يمكن إثباته في مواضع عدّة.

لكن في المقابل إرتكبت الإنتفاضة أخطاء فادحة أدت إلى عدم تحقيقها نتائج منها ما هو فادح حسب بعض جمعيات وحركات الانتفاضة التي وجهت بدورها سلسلة من الانتقادات ليس في الاسلوب فحسب، إنما بالممارسة، ووفق هذه الأوجه في الحراك، لا تبدو الصورة العملية قائمة في معالجة أي موضوع من أساسه بل مجرد ملامسة من بعيد مع بعض الضجيج في الشارع الذي لم يثمر أية نتائج لتغيير بنية الوضع القائم وصولا الى عملية إصلاح منشودة كان التعويل عليها قائما بفعل الهبة الشعبية وحتى السياسية التي إعترفت بعمليات فساد وسرقة على مر ّ أكثر من ثلاثين سنة.

وبالتالي تعتبر هذه «الجمعيات» وبعض الحراك أن تسمية الانتفاضة بالفعل الثوري أو «الثورة» كان عملا متسرعىا وبمثابة الخطأ القاتل، لكن إصرارهم على تسمية الإحتجاجات بـ «الثورة» تفرض عليهم الإلتزام بسقف عال من الأهداف وقبولهم بمسار حاد في الصراع مع قوى السلطة لأن مفهوم «الثورة» ووفق الممارسة في الكثير من البلدان لا يتطابق مع ما يحتويه المجتمع اللبناني من تناقضات سياسية وطائفية لأن الثورة هي فعل جذري بطبيعته، وهذا لا يمكن تحقيقه بسهولة في بلد يشبه فسيفساء لبنان مع غياب أي مشروع صلب يقلب السلطة ويستلم زمام الامور في البرلمان والسلطة التنفيذية سبيلا لإستلام مقاليد الدولة.

ويضيف هؤلاء المنتقدين أنه من أولى الواجبات عليهم أن يتصالحوا مع أي صراع شوارعي مع مناصري الأحزاب لأنهم في الأصل وضعوا أهدافا جذرية بوسم حراكهم بالثورة ضدّ الأحزاب المكونة للسلطة ، وثانيا هناك خطأ اّخر تمثّل برفض الحراك الحوار مع السلطة من ناحية ولم يقدموا في المقابل أي مشروع مقابل، وبهذا أصبح الحراك مكشوفا من داخله بفعل التناقضات فيما بين مكوناته، وأيضا لم يمتلكوا القدرة الميدانية على قلب المشهد. مما أدخل الإحباط إلى جزء أساسي من الذين شاركوا في التظاهرات الكبرى.

ومن هنا يمكن ملاحظة التدني الكبير الحاصل في الحشد الشعبي عند كل حراك في الشارع كما أن شخصيات لها وزنها لم تعد لها علاقات بأي إنتفاضة أو حراك على خلفية الفوضى العارمة التي تحكمت بالشعارات الغير موحدة وأصبح الحراك بكامله كناية عن «شبابيك» مفتوحة على بعضها، وكل نافذة يدخل من خلالها هواء مطلبي معين، فيما كان المطلوب وفق هؤلاء، تشريع الابواب الكبيرة لحوار جدي بين كافة المكونات، ويكفي القول أن «الثورة» تضم أكثر من مئة وخمسين خيمة يتفيأ في ظلالها جمع كبير من الافكار والمطالب المتناقضة، وبعد مرور أكثر من مئة يوم لم يلاحظ هؤلاء حتى مجرد خطابين إثنين لديهما أوجه شبه كاملة.

ويضاف الى هذه الامور، خسر المتظاهرون منذ الأيام الأولى، إذ إنهم جنحوا رغم خطابهم الراديكالي في السياسة إلى عزل المشاغبين وإتهامهم بالتبعية للأحزاب وتخريب الإنتفاضة، وأصروا على السلمية علماً أن مثيري الشغب هم بشكل أساسي من أبناء الطبقات المهمشة في المجتمع والذين يقومون بردود فعل عنيفة ضدّ السلطة التي لم تنصفهم، وهنا خسرت الإنتفاضة «المشاغبين» الذين كانوا سيكونون رأس الحربة في مواجهة أي محاولة قمع ضدهم، وهو ما لا يستطيع السلميون والنخب مواجهتها، وهذا يعني أن المنتفضين منذ اليوم الأول ذهبوا إلى إستعداء مناصري الأحزاب بدل إستقطابهم ورفعوا خطابات تهاجمهم وتحملهم مسؤولية إنتخاب زعمائهم وتالياً دمار البلد، الأمر الذي كتّل مناصري الأحزاب ضدّ الإنتفاضة تدريجياً وجعلهم ينسحبون تباعاً من الساحات، ففقدت الإنتفاضة قدرتها على الإستقطاب، وهكذا تحولت الانتفاضة الى مجرد حركة احتجاجية ولم تشكل أبدا أي نفس للاستعداد لاستلام السلطة.