بعيداً عن الحسابات السياسية للاطراف السياسية في الداخل اللبناني، ومعها حسابات الحكومة والجهات وقوى المجتمع المدني المختلفة المشاركة في الحراك الشعبي فمصلحة لبنان بالدرجة الاولى ومصلحة الجميع ان يصار الى اعتماد مقاربة جديدة مختلفة عن سياسات الحكومات السابقة ومعظم الاطراف السياسية في التعاطي مع ملف العلاقات اللبنانية - السورية، خدمة للمصالح الوطنية ولاي رغبة جدية بالخروج من الازمات التي تضرب لبنان مالياً واقتصادياً وحياتياً، رغم ان منطق الحسابات السياسية الواقعية المبني على حماية لبنان من العواصف الخارجية وطرق كل الابواب التي تخدم خطة انقاذ البلاد، تفترض عدم حصر تعاون الحكومة مع دول محددة في العالم، وهو ما يستدعي من كل الذين يحرصون على انجاح عملية الانقاذ التوجه نحو التعاون مع كل الدول، وبالاخص تلك الدول التي ابدت في مراحل كثيرة الاستعداد للتعاون في مجالات مختلفة مثل روسيا والصين وايران ودول اخرى، فكيف بالاحرى مع سوريا، وما يجمع لبنان بها، ليس فقط من علاقات تاريخية، بل من مصالح مشتركة كبيرة، كما ان سوريا تبقى بالنسبة للبنان رئته ومتنفسه نحو العالم العربي، وكل ذلك دون التقليل من اهمية التعاون مع الدول العربية.

وليس خافياً، وفق تأكيد سياسي مطلع على كثير من خفايا المواقف الداخلية، ان التقاعس الفظيع الذي لجأت اليه الحكومات السابقة ومعها كل المعنيين بالقرار الداخلي في التمنع عن التواصل مع سوريا انتج خسائر ضخمة اصابت لبنان واللبنانيين طوال السنوات العشر الماضية على الاقل، على المستويات الاقتصادية المالية والمعيشية، حتى ولو وضعنا التداعيات السياسية السلبية لهذا التمنع والتقاعس جانباً، وما افضى اليه تدخل بعض الجهات السياسية في الحرب الكونية ضد سوريا، من خلال فتح حدود لبنان لكل اشكال التآمر على سوريا، ودعم وتمويل كل المجموعات الارهابية المسلحة.

فتقصير الحكومات منذ بضعة سنوات على الاقل في تجهيل النتائج الكارثية للتطبيع مع الحكومة السورية مرده الى تمادي بعض الاطراف في رهاناتها الخارجية من جهة، ومهادنة حلفاء سوريا لهذه الاطراف تحت شعار اولوية وضع الملفات الخلافية جانباً لان البعض كانت لديه مخاوف من ردة الفعل الاميركية او حتى الخليجية، لكن ثبت ان هذه الرهانات للبعض وهذا التقاعس او المهادنة من البعض الاخر، افضت الى نتائج عكسية على قاعدة المثل القائل: «طلع من المولد بدون حمص»، فالرهان على «الترياق» الاميركي والخليجي بقي كما «وعد ابليس بالجنة» وفي الوقت نفسه خسر لبنان خلال كل السنوات الماضية المزايا والنتائج الايجابية للتنسيق الرسمي مع سوريا وبل ان تلك السياسات، حملت لبنان واللبنانيين خسائر بمليارات الدولارات يضيف السياسي، بحيث كان ذلك احد العوامل الاساسية للانهيار الحاصل اليوم، حيث ان الخسائر طاولت عشرات الابواب التي طالها الانهيار اليوم، من زراعية وصناعية الى تكاليف ازمة النازحين الى قضايا واسعة تمتد الى تصدير المنتجات اللبنانية نحو الاسواق العربية، الى جانب ذلك، فهذا التقاعس والرهانات والتي تداخلت فيها المحصاصة مع الصفقات والتنفيعات توسعت لتطال عدداً من الدول الصديقة للبنان والتي كانت ابدت استعدادها للمساعدة في مجالات مختلفة، وحتى تقديم مساعدات لم تقابل سوى بالتجاهل والاذان الصماء، على غرار ما قدمته كل من الصين والمانيا وايران من استعداد لبناء معامل الكهرباء بتكاليف لا تزيد عن نصف التكاليف السنوية لتكاليف شراء الفيول لمؤسسة كهرباء لبنان، الى جانب رفض ما كانت ابدته دول عديدة من مساعدات للجيش اللبناني، من روسيا وحتى بعض الدول الغربية، نتيجة الاذعان للضغوط الاخيرة.

ورغم النتائج الكارثية لهذه السياسة، وما انتجته من اضرار ضخمة على الاقتصاد اللبناني وحياة اللبنانيين تفوق كل التوقعات، الا ان البعض في الداخل اللبناني، لا زال يضرب بعرض الحائط مصالح البلاد واهلها، وحتى لم يكلف نفسه عناء وضع مقاربة لمواقفه السابقة من سوريا وتداعياتها السلبية على الواقع الاقتصادي والمالي، بل ان القوى السياسية الداخلية، بعضها مصر على نفس السياسات والرهانات السابقة، وما افرزته من تداعيات خطيرة على لبنان اقتصادياً ومالياً وحياتياً، فيما البعض الاخر اما انه ما زال متخوفاً من ردات الفعل الاميركية، او انه يتحدث عن اهمية التواصل الرسمي بين الحكومتين اللبنانية والسورية على طريقة «رفع العتب» وفي احسن الاحوال يريد من سوريا ان تكون اشبه بجمعية خيرية تقدم للبنان كل ما يريده ويطمح اليه دون حتى قرار رسمي من الدولة او الحكومة، حيث تثمر في السنوات الاخيرة كل الجهود والاتصالات التي بذلها الامين العام للمجلس الاعلى اللبناني - السوري نصري خوري باقناع معظم المعنيين في الحكومتين السابقتين باهمية اتخاذ قرار بالتواصل الحكومي رسمياً مع سوريا، رغم بعض الزيارات التي قام بها عدد من الوزراء دون تكليف رسمي واقتصر الامر على تغطية سياسية من القوى السياسة التي يمثلونها، او من رئيس الجمهورية من ان اصحاب الرهانات الخارجية اقاموا الدنيا ولم يقعدوها لاطلاق الثأر السياسي على الوزراء المعنيين.

ولذلك، يلاحظ السياسي المذكور ان سياسات وتعاطي القوى السياسية حتى اليوم، لم يختلف كثيراً عما اعتمد في المراحل السابقة، حيث لم تقدم الاطراف السياسية بالجملة والمفرق مقاربات تحاكي حاجة لبنان للانفتاح الرسمي عن دمشق، ولو على الصعد الاقتصادية والمالية والحياتية، رغم اقتناع كثير من القوى السياسية بما يحصده لبنان من نتائج ايجابية كبرى في المسائل الثلاث المذكورة، وحتى القوى المعترضة صراحة على حصول التنسيق تدرك جيداً مدى ايجابيات التواصل الرسمي لكنها تصر على طمر الرؤوس في الرمال وضرب مصالح لبنان بعرض الحائط خدمة لاجنداتها الخارجية، واما تعبيراً عن الحقد ولغايات فئوية وشعبوية.

وبانتظار الصيغة التي يعتمدها مجلس الوزراء في البيان الوزاري حول نظرته للعلاقات مع سوريا، وما ستؤول اليه توجهات الحكومة لاحقاً، فما هو معلن حتى اليوم من مقاربات للاطراف السياسية من داخل الحكومة وخارجيها، يندرج وبحسب المصدر وفق الاتي:

1- ان المواقف الاكثر سلبية يعبر عنها الاطراف السياسية التي لم تشارك في الحكومة، من تيار المستقبل، الى القوات اللبنانية والحزب الاشتراكي وحزب الكتائب ومكونات اخرى اقل تمثيلاً ممن كانوا ضمن فريق 14 اذار، فهؤلاء جميعاً يتعاطون مع سوريا وحاجة لبنان الى التنسيق الرسمي معها، على خلفية ما يحدده لهم حلفائهم الكبار خارجياً، من الولايات المتحدة الى السعودية ودول اخرى، وبالتالي فمقاربة هؤلاء لهذه العلاقة هي النأي بالنفس عن مصالح لبنان الكبرى بحيث يتغافلون قصداً وعن سابق تصور وتصميم عن مدى الضرر الذي يلحق بلبنان لاعتراضهم على التنسيق الرسمي والحكومي مع سوريا ويربكون اي خطوة في هذا السياق بما يقرره الاميركي والسعودي.

2- الرفيق المحسوب على العهد، حيث عاد هذا الفريق بحسب معلومات المصدر الى مقاربة هذه المسألة بكثير من الحذر والقلق من ردة الفعل الاميركية، بعد الحملة الشعواء التي فتحت ضد رئيس التيار الوطني الحر عندما قرر زيارة دمشق من موقعه كوزير للخارجية في الحكومة السابقة عشية اندلاع الانتفاضة الشعبية، ولذلك يعتبر المصدر ان هذا الحذر ليس في محله اليوم، فالولايات المتحدة تحاصر لبنان واي ردة فعل سلبية لن يكون لها مردود سلبي للامتناع عن التنسيق الحكومي مع دمشق.

على الرغم من ان توقيف اعلان باسيل عن زيارة لسوريا جاء في لحظة غير محسوبة النتائج، بحسب السياسي المطلع، وكان في الامكان ان يدفع حلفاء دمشق نحو صدور قرار عن الحكومة قبل ذلك توقيت الزيارة بوقت كبير تعلن فيها عن رغبتها بالتنسيق مع الحكومة السورية، دون قيام رئيسها في حينه سعد الحريري، او الوزراء المعارضين للتنسيق مع سوريا باي فعل في هذا الاطار، حتى انه كان يمكن لرئيس الجمهورية القيام بزيارة دمشق، وعندها فاي اعتراضات على هذه الزيارة ستكون محدودة جداً، نظراً لموقع رئاسة الجمهورية وشخصية الرئيس عون نفسه.

3- ان حلفاء سوريا الاخرين ورغم زيارات عدد من الوزراء من الذين يمثلونهم في الحكومة، لكنها لم تحصل بتغطية فعلية من الحكومة وباتفاق مسبق داخل مجلس الوزراء بتكليف هؤلاء الوزراء بزيارة سوريا، وبالتالي بقيت نتائج هذه الزيارة محدودة لان اي اتفاقات مع سوريا يتطلب ترجمتها موافقة الحكومة في لبنان، وبخاصة ما يتعلق بعودة النازحين السوريين ومعالجة قضايا الترانزيت وملفات اخرى عديدة.

وحتى اليوم لم يبد حلفاء دمشق توجهاً موحداً وفاعلاً للواقع نحو تبني الحكومة الجديدة لفتح التواصل الرسمي مع الحكومة السورية، بينما اقتصر الامر على بعض المواقف من هنا وهناك، والتي تتناول الحاجة للتنسيق مع دمشق، وحتى لم يتحرك هؤلاء الحلفاء ولا العهد للافراج عن هنيبعل القذافي المسجون في لبنان منذ ثلاث سنوات، رغم مطالبة دمشق لاكثر من جهة لبنانية بالافراج عنه، حيث تعتبر ان اخراجه من دمشق بقوة السلاح تعد على سيادتها قبل اي شيء اخر، وبغض النظر عما يمكن ان يكون لدى القذافي الابن من معلومات حول اختفاء الامام موسى الصدر ورفيقيه، بل ان دمشق بحسب المصدر ترى في استمرار توقيف هنيبعل القذافي مضر كثيراً في علاقتها مع الدولة اللبنانية، ومع بعض حلفائها.

لكن يبقى، هل ان الحكومة الجديدة ستعطي تطبيع العلاقة مع سوريا الاهمية الاستثنائية. بعد النتائج المدمرة التي خطاها لبنان لتعنت اصحاب الرهانات برفض التطبيع بين البلدين، غداً نتحدث عما هو مطروح اليوم بهذا الخصوص، وما يحصل عربياً من اتصالات مع دمشق.