قال: لسوف أذهب...

أي منطق أن يكون باستطاعة رئيس الجمهورية، أو رئيس الحكومة، أو أي وزير، زيارة أي دولة عربية داخل المعسكر الأميركي، أو حتى داخل المعسكر الاسرائيلي، ولا يستطيع أن يزور سوريا؟

مع يقيننا أن «النأي بالنفس» بدعة، والا كان علينا أن ننثر الزهور على البرابرة الذين احتلوا سفوخ السلسلة الشرقية، كيف يمكن أن يقتصر تطبيق تلك البدعة على سوريا دون غيرها من الدول التي بعضها، أو اكثرها، هلل لـ«صفقة القرن»، ووقّع عليها بالأصابع العشرة، وتعهد بتمويلها؟

الوزير عباس مرتضى قال «الأولوية ستكون، بعد نيل الثقة، التوجه الى سوريا لبناء أفضل العلاقات معها، وتسهيل انسياب البضائع، عبر أراضيها، الى مختلف الأسواق العربية».

لندع السياسة جانباً، ونسأل: أليس ما أعلنه وزير الزراعة يندرج في اطار البراغماتية، النظرية التي استنبطها الأميركيون، وها هم يتبادلون البضائع مع الصين (العدوة الكبرى) بمئات مليارات الدولارات؟

سوريا هي البوابة الوحيدة أمامنا. منتجاتنا تختنق. محاصيلنا تختنق. السوق العراقية تستوعب كل صادراتنا. العراقيون يعشقون كل ما هو لبناني. حتى أن أزمتهم تكاد تكون أزمتنا. أزمتنا تكاد تكون أزمتهم.

لبنان في مأزق اقتصادي، ومالي، قاتل. الصناعيون يصرخون، المزارعون يصرخون. البراغماتية تعني، وكما قال ميلتون فريدمان، الحائز نوبل في الاقتصاد، «أن ندق على باب جهنم اذا ما اقتضت الحاجة ذلك».

هذه بوابة سوريا، الشقيقة بالرغم من كل شيء، الجارة بالرغم من كل شيء. الرئيس الحريري قال أمامنا في دمشق «حين أكون هنا أشعر أنني في بيتي». كل عربي يشعر أن دمشق بيته.

هذا ليس حديثاً في السياسة. حديث في العقل. للكثيرين حديث في القلب. لو سقطت الدولة في سوريا لسقطت الدولة في لبنان.

لو ذهب السيناريو الخاص بسوريا الى نهايته، لكان المشهد أشد هولاً من المشهد في ليبيا، بالمساحة المترامية (1760000 كيلومتر مربع)، وبالامكانات النفطية الضخمة، وبالمجتمع المتجانس طائفيا ً واتنياً. على الأقل كان الجيش التركي، وبقيادة جمال باشا، على حدودنا. من يذهب الى طرابلس الغرب، ألا تغريه... طرابلس الشام؟

في ظل التشكيلة الحكومية الراهنة، سنكون أمام ديبلوماسية خائرة القوى، من دون أي معنى، ومن دون اي صدى. الكلام الآن للمصالح الاقتصادية والمالية. لبنان بأمس الحاجة الى البوابة السورية، والى الطريق السورية. المسألة تحتاج الى شجاعة. الوزير عباس مرتضى قال: هذه أولويتي..

الأولوية المنطقية. الدول العربية التي كانت تأمل أن نكون الكازينو تنتظر ساعة اعلان وفاة الجمهورية. التواطوء وصل الى حد طرح توطين النازحين السوريين، لا الاكتفاء باللاجئين الفلسطينيين، لأن لبنان، بتوازناته الهشة، القابلة للانفجار، بات، في نظرهم، عالة على الحالة العربية. هل من يقول لنا أي حال للحالة العربية؟

الأميركيون سيغضبون، العرب سيغضبون. ماذا فعلوا لنا في محنتنا الكبرى. علينا أن نصدق أن حكومة دميانوس قطار، وناصيف حتي، وزينة عكر، ومنال عبد الصمد، ومحمد فهمي ، هي حكومة «حزب الله»!

الأميركيون والعرب قالوا لنا «هذه أبواب أورشليم مشرعة أمامكم. هناك الخلاص، وهناك اليوتوبيا. كما لو أننا لا نعلم كيف تصل المساعدات الى مصر، باتفاقية كمب ديفيد، والى الأردن، باتفاق وادي عربة، من ثقب الباب. هذا اذا أغفلنا الهمجية الاسرائيلية على أرضنا...

وزير الزراعة رمى القفاز: لسوف اذهب...