بانتظار خروج «الدخان الابيض» من مدخنة العمل الحكومي ايذاناً بانطلاق ورشة متكاملة لوضع مسار الحلول الطارئة لازمات البلاد وما وصلت اليه اوضاعه المالية والنقدية والحياتية والاقتصادية من انهيار ينذر بكارثة اوسع واشمل في حال حصول اي تلكؤ، او عودة الحكومة لانتاج السياسات التي كانت معتمدة سابقاً ماليا ونقدياً.

ورغم ان اي حكم او رهان على ما ستقوم به الحكومة لا يمكن حسمه، وفق خبير اقتصادي مالي قبل وضع مجلس الوزراء لخطته الانقاذية التي سيشملها البيان الوزاري، ومن بعدها انكباب الحكومة على تنفيذ هذه الخطة بعيداً عن اي ترف في تمرير الوقت، او تسييرها وقراراتها بالسياقات والتوجهات نفسها التي كانت مساندة في السابق ودعمتها القوى المشاركة في الحكومة والقوى الاخرى المعارضة لها اليوم، لكن الخبير الاقتصادي يتوقف عند جملة مؤشرات وتوجهات ومعلومات عن عناوين بعض بنود خطة الحكومة مالياً ونقدياً، كلها لا تشير الى حصول تغيير جذري في السياسات السابقة، بل هناك رغبة وتوجه ومزج بين كثير من السياسات والحكومات السابقة وبعض الاجراءات التي استجدت في الشهرين الماضيين ضوء تمادي الانهيار المالي والنقدي ومعهما تردي اوضاع المواطن اللبناني وتفاقم الجمود واقفال المؤسسات الخاصة على كل المستويات، ما ادى الى رفع مستوى البطالة بأعداد مخيفة ويهدد بمزيد من الاقفال لمئات المؤسسات ودافعين الاف العاملين الى الشارع.

ورغم ان هذه الوقائع والمعلومات لا يمكن البناء كاملاً عليها لاظهار التوجهات التفصيلية لعمل الحكومة في مرحلة ما بعد نيل ثقة مجلس النواب، الا ان بعض توجهات الحكومة الجديدة في الايام الماضية لا تظهر الرغبة او القدرة على شمولية الانقاذ وما يفترضه من كشف خفايا الفساد والهدر في «مغارات علي بابا» التي انتشرت كالنار في هشيم كل جسد الدولة ومؤسساتها واجهزتها وسياساتها المختلفة، ولذا يتوقف الخبير الاقتصادي عن احد ابرز المؤشرات غير المشجعة لبدايات العمل الحكومي، ولو انها كما قال رئيسها حسان دياب في الجلسة العامة الاخيرة لمجلس النواب ان دورها قبل الحصول على ثقة مجلس النواب لا يتجاوز دور الحكومة المستقيلة، ومن هذه المؤشرات يتعلق قبول رئيسها حسان دياب بإقرار موازنة العام 2020 دون ادخال تعديلات اساسية عليها، فإقرارها ولو كان ضرورة خلال المهلة الدستورية وحتى تتجنب الحكومة الجديدة الصرف على القاعدة الاثني عشرية، كان على رئيسها ان يربط الموافقة على اقرارها الموازنة بالحصول على صلاحيات استثنائية او في الحد الادنى صلاحيات تخولها اعادة النظر بجملة من البنود الانتاجية التي بقيت مدرجة في قانون الموازنة. وبالتالي اما ان يربط الموافقة بهذه الصلاحيات او يطلب اعادة لجنة المال والموازنة النظر بجملة من البنود الانفاقية قبل اقرارها. خصوصاً انه في ضوء ما استجد من انهيار في الاسابيع الاخيرة كان يفترض من لجنة المال والموازنة ان تعيد النظر بهذه البنود، حتى يكون هناك حد ادنى من التوازن بين العجز في الموازنة وما بين الواردات المقدرة فعلياً، بعيداً عن الارقام النظرية التي ادرجت في قانون الموازنة، وهذه التعديلات كان يمكن للجنة المال، لو كانت هناك رغبة من الكتل النيابية بخفض الانفاق غير الضروري وبما يتجاوز كثيراِ الخفض الذي توصلت اليه لجنة المال وبلغ 600 مليار ليرة.

فايجابيات اقرار الموازنة في موعدها الدستوري وتجنباً للصرف على القاعدة الاثني عشرية، لا يأتي وفق تأكيد الخبير الاقتصادي انها موازنة لقيطة كما وصفها عضو كتلة الحزب السوري القومي الاجتماعي سليم سعادة، لان كل ارقامها وهمية فلجنة المال والموازنة لم تقارب خلال بحث في ارقام الواردات وفي العجز المقدر نظرياً، استحالة حتى الوصول الى العجز المقدر بحدود سبعة مليارات والناتج المحلي بحدود تسعة مليارات والايرادات بحدود 19 الف مليار، لكن في واقع الانكماش الاقتصادي القائم وازمة المصارف يستحيل الوصول الى هذه الارقام، بل ان نسبة العجز المتوقعة ستكون أعلى من المتوقع بحيث قد تزيد عن 13 بالمئة بخلاف ما هو مقدر في الموازنة بحدود 5.3 بالمئة من الناتج المحلي، لذلك يتوقف الخبير الاقتصادي عند جملة من المؤشرات السلبية جداً ليس فقط بما خص قانون الموازنة، بل في طبيعة السياسات المالية وما تفترضه من اجراءات كان على القوى السياسية ان تلحظها عبر كتلها النيابية في الموازنة واهمها الاتي:

1- كان من المفترض والضروري ان تلحظ لجنة المال ومن ورائها الكتل النيابية في خلال اعادة النظر بمشروع الموازنة، ان شمولية الانهيار وتسارعه لا يحتمل المزيد من الترف في اضاعة الوقت بحثا عن جنس الملائكة ومن خلال تقاذف «كرة النار» بين الاطراف السياسية وبالدرجة الاولى عدم تقدير الحاجة لكسب الوقت لتحقيق ما هو مقدر في الموازنة من انفاق وواردات، خصوصاً في ظل تراجع الواردات بشكل مخيف في الاشهر الثلاثة الاخيرة، بينما كل مؤشرات التضخم والانكماش على المستوى الاقتصادي واستسهال القدرة على تحقيق ما هو مقدر من الواردات، كلها تشير الى أن العجز المقدر سيبلغ اعلى بكثير مما تضمنته ارقام الموازنة، في وقت يتوقع بلوغ الموازنة ما هو مقدر من واردات بما ستحصل عليه الخزينة من تسويات الاملاك البحرية ومخالفات البناء والتسجيل العقاري، وخفض فوائد خدمة الدين العام واكتتابات مصرف لبنان بسندات الخزينة، وكل التقديرات من هذه البنود وغيرها، فيها تضخيم غير مبرر ولا تستند الى ما تحقق في العام الماضي، ولا لتوقيت تحقيقها ولا تستند الى آليات واضحة حتى لا تبقى ارقام الواردات في غياهب التنجيم وحبراً على ورق.

2- لم تعمد وزارة المال ولا لجنة المال لاحقاً، الى اجراء تخفيضات أشمل بكثير من التخفيضات في الانفاق، حيث لم تتجاوز التخفيضات للجمعيات بكل أنواعها، والتي في معظمها، هي تنفيعات سياسية وذات منافع شخصية للقيمين على هذه الجمعيات باستثناء جمعيات قليلة جداً التي تقل موازناتها عما تحتاجه بينها المدارس لذوي الاحتياجات الخاصة او المراكز الصحية المعنية بقضايا انسانية، الى جانب الانفاقات الكبيرة في الاضافات على الرواتب خاصة لكبار الموظفين، فيما كان يفترض ان يصار الى تخفيض رواتب هؤلاء الموظفين الذين تبلغ رواتبهم ارقام ضخمة، كما هي الحال في اوجيرو، والهيئات المالية ومؤسسات اخرى، كذلك ما يتعلق باعادة النظر بالتدبير «رقم 3» الخاص بالمؤسسة العسكرية واقتصاره على المكلفين مهاماً محددة، الى جانب كثير من الابواب الاخرى كان يمكن خفض الانفاق فيها مثل توحيد الهيئات الضامنة ومقاربة شفافة لانفاق اللاستشفاء الخاص.

3- عدم الاشارة من قريب او بعيد الى ضرورة اعادة النظر بجدوى عشرات المؤسسات والمجالس والهيئات المختلفة، حيث ان معظمها بات مجرد محميات للمنافع المالية للنافذين وامراء الطوائف.

4- التغاضي كلياً عما يمكن ان تجبيه الخزينة من ضرائب ورسوم على الاف المخالفات، بدءا من اعادة النظر بالرسوم على المخالفات البحرية، أو املاك الدولة المؤجرة بأسعار رمزية، الى الكسارات المخالفة، الى الاسعار الخيالية للابنية المستأجرة من جانب الدولة لمؤسسات دولية او وزارات ومؤسسات عامة ومخالفات لا تعد ولا تحصى.

ورغم ذلك، يلاحظ الخبير الاقتصادي انه برهنت الحكومة الجديدة عن جدية عن شفافية في التعامل مع كل هذه الملفات وغيرها، بعيداً عن مصالح اهل السلطة والقابضين على قضايا «الحل والربط»، فهناك إمكانية لاحداث تغيير ايجابي مغاير لما تضمنته الموازنة من ارقام وهمية، ولو ان الخبير المعني يجد في الوعود التي يعلنها رئيس الحكومة حسان دياب لطبيعة بعض المعالجات التي يحضَّر لها مع الهيئات المعنية مؤشراً ايجابياً، رغم انها تنتظر التنفيذ وان تشمل كل مكامن الخلل، وكل الأطر والاليات الضرورية للخروج من الازمة، وبالتالي فأي جهد للحكومة دون تصحيح الخلل الكبير في ارقام الموازنة وبما يعيد التوازن ما بين الانفاق والواردات يبقى الوضع المالي يدور في الحلقة المفرغة.