مع بدء الحراك الشعبي ضد الطبقة السياسية قبل أشهر، ظنّ شبان لبنانيون كُثر كانوا يحلمون يوماً بالهجرة بإمكانية بناء مستقبلهم في بلدهم، لكن الحلم لم يدم طويلاً بعدما أطاحه تسارع الانهيار الاقتصادي وبعدما شاركوا في المظاهرات التي عمت كافة الأراضي اللبنانية منذ 17 تشرين الأول رافعين الصوت ضد طبقة حاكمة يتهمونها بالفساد يملأ طلاب وشبان اليوم طلبات الهجرة للعمل أو إكمال تعليمهم في الخارج ووفق ما يرويه أحد المهندسين الذين شاركوا الحراك منذ انطلاقته ليقول: سأذهب من دون رجعة بعدما حجز تذكرة سفره إلى كندا ويضيف: «لا شيء يجري بشكل جيد في هذا البلد لكي أبقى فيه« وهو البالغ من العمر 29 عاما حيث درس خمس سنوات في جامعة خاصة لنيل الشهادة وأربك أهله بالاقساط ليجد أن العمل في لبنان في اختصاص الهندسة يتضمن أن تكون عاملاً برتبة «ويتر» في مطعم ! ويضيف أن أهله كانوا ضد عملية الهجرة التي كان يتحضر لها أما الاّن فيعملون على تشجيعه خصوصا أن لديه شقيقة واحدة ستبقى الى جانب أهلها في بيروت.

ويواجه لبنان شحاً في السيولة مع ارتفاع مستمر في أسعار المواد الأساسية وفرض المصارف إجراءات مشددة على العمليات النقدية وسحب الدولار وسلسلة من عمليات الصدام اليومي بين البنوك والمودعين من أجل نيل بضعة دولارات وتضاعفت أيضا نسبة التضخم خلال شهري تشرين الاول وتشرين الثاني بالتزامن مع خسارة الليرة اللينانية أكثر من ثلث قيمتها أمام الدولار في السوق الموازية لتنخفض معها القيمة الشرائية للمواطنين تزامنا مع غلاء اسعار السلع الاستهلاكية بنسبة خمسين بالمائة وهددت الأزمة اللبنانيين في وظائفهم ولقمة عيشهم وقد أغلقت العديد من المتاجر والشركات أبوابها وتلقت وزارة العمل عشرات الطلبات بالصرف الجماعي مما يؤدي حكماً إلى ارتفاع نسبة البطالة وبالتالي ارتفاع الحاجة الى لقمة العيش وما يتخلل من أعمال مخالفة للقانون في سبيل تحصيلها من سرقات وخلع منازل حتى في وضح النهار مع العلم أنه وفق إحصائيات رسمية لبنانية يعيش ثلث اللبنانيين تحت خط الفقر وتبلغ نسبة البطالة أيضا ثلاثين بالمائة في صفوف الشباب مع تحذير البنك الدولي من ارتفاع هذين المعدلين نتيجة الانهيار الحالي وتعتبر مؤسسة مختصة في الابحاث والاحصاءات أن عدد اللبنانيين الذين غادروا البلاد من دون عودة في عام 2019 بلغ نحو 62 ألفاً مقارنة بـ41 بألفاً في العام السابق أي بزيادة نسبتها 42 في المائة!! حتى وصل الامر وفق هذه المعلومات الى حد ملاحظة نشطة لعمل المحامين الذين تنهال عليهم طلبات الراغبين بالهجرة ويقول أحد هؤلاء المحامين انه وحده لديه 25 طلبا أغلبيتهم الى كندا مع العلم أن غالبية زبائن المحامي هم من الفئة العمرية التي تتراوح بين 21 عاما و25 ومعظمهم أصحاب اختصاص في المعلوماتية والصيدلة أو خبراء في علم المال وجميعهم يغادرون بسبب الوضعين الاقتصادي والسياسي وبذلك أصبح لبنان بلد مورد للمهاجرين ، والمشكلة الاساسية التي طرحها أحد الكهنة أن الوجهة التي يحبذها الشباب هي استراليا أو كندا وهذا يعني أن الرحلة خارج الوطن ستكون طويلة وأبدية كما فعل أسلافهم على مر السنين بعكس ما إذا كانت الوجهة الى الخليج العربي أو اوروبا كي يثمر الأمل بالعودة يوما ما؟؟

ويترافق هذا المشهد المأسوي مع انعدام أي رؤية مستقبلية لتحسن الوضع والجميع يدرك أن هذا الامر سيتطلب سنوات كثيرة حسب أهل السياسة وعلم الاقتصاد مما يطرح علامات استفهام كبيرة تتعلق بالكيان اللبناني وديمومته بالتوازن مع ما يسمى صفقة العصر التي ستصيب لبنان بشكل موجع مع وجود حوالى خمسمائة ألف لاجيء فلسطيني وأكثر من مليون نازح سوري لا يعرف أحد مصيرهم ! فهل سيندمجون في المجتع اللبناني وينالون الحقوق نفسها وكتوطين يغرق البيئة الديموغرافية بما يؤسس لفتن قادمة وأيام سوداء لا يمكن معرفة تداعياتها.