في العام 2002، ضرب فيروس السراس الصين وخلّف 774 قتيلا من أصل 8000 شخص أصيبوا بهذا الفيروس القاتل. هذا الفيروس ينتمي إلى عائلة فيروسات كورونا والتي هي عبارة عن مجموعة من الفيروسات تُسبب أمراضًا للبشر والطيور. وتختلف التداعيات على البشر والطيور حيث تُسببب أمراضًا تطال الجهاز التنفسي عند البشر وإسهالا لدى الأبقار والخنازير والجهاز التنفسي لدى الدجاج. وتكمن مُشكلة هذه الفيروسات في أنه لا توجد لقاحات أو مضادات لها.

مُعالجة هذا الفيروسات يتطلّب إيجاد مُضادات لها، وبالتالي وبحسب تركيبة الفيروس يتوجّب إيجاد مضاد يتناسب والجينوم (Génome). إلا أن المُشكلة تكمن في أن هناك سلالات عديدة لفيروس كورونا البشـري (HCoV-229E، HCoV-OC43، SARS-CoV، HCoV-NL63، HKU1، MERS-CoV، 2019-nCoV)، والتحوّلات الجينية التي قدّ تطال هذا الفيروس تجعل المضادات الموجودة غير فعّالة في حال ظهور سلالة جديدة.

سبعة عشر عامًا بعد ظهور السراس، ظهر في الصين (أول هذا العام) فئة جديدة من هذه الفيروسات سُمّي بفيروس «كورونا» بسبب عدم معرفة التركيبة الجينية له (Génome). وحتى الساعة هناك 7700 إصابة توفي منها 170 شخصاً. وإذا كان هذا الفيروس أقلّ فتكًا من فيروس السراس، إلا أنه يتميّز بأنه مُعد ويتمدّد بسرعة كبيرة مما يجعل السيطرة عليه تحدياً كبيراً للسلطات العالمية نظرًا إلى العولمة التي تُساعد في إنتشار رقعة الفيروس.

التداعيات الإجتماعية هائلة، فهي تتأرجح بين لجم التنقّل (حتى لغير المصابين) وصولا إلى موت المُصابين بالفيروس.

التداعيات الإقتصادية أيضًا كبيرة وتتمّثل بتراجع الإنتاج والإستهلاك. فمثلا هرب العُمّال الصينيون والأجانب من الأماكن التي تمّ فيها رصد حالات إصابة بالفيروس، وإلتزم قسم من الشعب عدم الخروج إلى الأماكن العامّة وحتى الذهاب إلى العمل وغيرها من الخطوات التي تُعدّل من سلوكهم الإقتصادي المُعتاد.

المخاوف العالمية من الفيروس الجديد ثبتت صحتها مع ظهور حالات في العديد من الدول (إيطاليا، الإمارات العربية المُتحدة...). وهذا الأمر أدّى إلى إلغاء العديد من الرحلات السياحية أو بهدف العمل بين الصين وبين العالم. وأخذ الهلع يؤثّر على سلوك اللاعبين الإقتصاديين حيث قام البعض بإلغاء الإستيراد من الصين خوفًا من إنتقال الفيروس عبر البضائع المستوردة (هذا الأمر غير صحيح لأن الفيروس بحاجة إلى جسم حيّ لكي ينتقل عبره).

ومن المُتوقّع أن يكون هناك ضرر كبير على الإقتصاد الصيني نتيجة هذا الفيروس ولكن أيضًا على الإقتصاد العالمي نتيجة حجم الإقتصاد الصيني ودوره في التبادل التجاري الدولي. وبما أن الفيروس الجديد غير معروف حتى الساعة، لذا لا يُمكن تقدير التداعيات الإقتصادية. إلا أن الإقتصاديين يأخذون الفيروس سراس الذي ضرب الصين في العام 2002، كمرجع للحسابات الإقتصادية حيث إنخفض أنذاك الناتج المحلّي الإجمالي الصيني ليُعاود الإرتفاع بعد السيطرة على الفيروس.

من هذا المُنطلق، تصبّ التوقّعات حول تراجع الإقتصاد الصيني بشكل ملحوظ في النصف الأول من العام 2020 (أكثر من 2% على أساس سنوي)، وإذا ما إستمر الفيروس في التفشّي فإن الإقتصاد العالمي سيتأثر بشكل محلوظ نظرًا إلى الترابط التجاري الهائل بين الصين والعالم.

وفي لبنان، من المُتوقّع أن يكون التأثير الإقتصادي للفيروس الجديد محدوداً في الفترة الأولى. فعدد السواح الصينيين الذين زاروا لبنان في العام 2019 لا يزيد عن 12 ألف سائح بحسب وزير السياحة السابق. كما أن التصدير إلى الصين لا يتعدّى الـ 150 مليون دولار أميركي مقارنة بإستيراد بحجم 1.6 مليار دولار أميركي.

وبسبب تفشّي الفيروس، من المتوقّع منع السواح الصينيين من القدوم إلى لبنان مما يعني خسارة 12 ألف سائح صيني، أضف إلى ذلك قدّ يَعدُل قسم من التجار المستوردين للسلع والبضائع عن إستيرادها من الصين مما يعني اللجوء إلى دول أخرى قد تكون كلفة السلع والبضائع أعلى. أيضًا، يُمكن للبنان تحقيق خسائر نتيجة وقف عدد من الرحلات الجوية بين لبنان والصين (مباشرة أو غير مباشرة).

إلا أنه في ظل سيناريو تفشّي الفيروس بشكل واسع، هناك إحتمال لإرتفاع الأضرار الإقتصادية عبر خسارة التبادل البيني مع دول أخرى قد يطالها الفيروس.

على صعيد الأسواق العالمية، تضرّرت الشركات التي لها إستثمارات في الصين وعلى رأسها السوبرماركات وشركات النقل، إلا أن الغموض الناتج عن تمدّد الفيروس والقدرة على السيطرة عليه جعل العديد من المُستثمرين يخرجون من وضعيات السوق ويتخلّصون من الأصول التي قد تتأثر بهذا الفيروس مثل شركات النقل وغيرها.

على كل الأحوال، يُمكن الإستخلاص مما سبق أن التداعيات الإقتصادية إن عالميًا أو محلّيًا لا تزال محدودة، إلا أن عدم السيطرة على الفيروس سيكون له تداعيات جمّة على الصعيد الإقتصادي وقد تؤدّي إلى ضرب النمو الإقتصادي العالمي هذا العام والذي كان متوقّعًا أن يكون 3% (الصين تُساهم بـ 60% من هذا النمو) في وقت تحوم المخاوف حول هذا النمو جرّاء السياسات الحمائية التي تتبعها كلٌ من الولايات المُتحدة الأميركية والصين وأوروبا وغيرها من الدول التي لها حجم إقتصادي كبير.