تداعت الدول العربية اليوم السبت لعقد اجتماع طارىء لمجلس جامعة الدول العربية بناء على طلب فلسطين، وذلك لمناقشة خطة الإدارة الأميركية للسلام في الشرق الأوسط التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثلاثاء الفائت والمعروفة باسم «صفقة القرن». هذه الخطة التي يرفضها الفلسطينيون المعنيون بها بطريقة مباشرة، بشكل قاطع، كونهم يجدونها «صفقة تصفية القضية الفلسطينية وحلّ إقامة الدولتين جنباً الى جنب». وإذ يُعقد هذا الإجتماع بهدف اتخاذ موقف عربي جامع لمواجهة هذه الصفقة (رغم التأييد الضمني لها من قبل دول عربية عديدة)، أكّدت أوساط ديبلوماسية واسعة الاطلاع أنّ وزير الخارجية والمغتربين ناصيف حتّي سيُشارك اليوم في هذا الإجتماع وسينقل موقف لبنان الرافض لهذه الصفقة جملةً وتفصيلاً.

وأوضحت الاوساط، أنّ الوزير حتّي سيؤكّد على موقف لبنان المبدئي المتشبّث بمفهوم السلام الشامل والعادل والدائم والرافض لمبدأ «التوطين» الذي تنصّ عليه مقدمة الدستور اللبناني، ويؤكّد بالتالي على حقّ اللاجئين الفلسطينيين بالعودة الى ديارهم.. هذا الحقّ الذي تنسفه «صفقة القرن»، من خلال اقتراح إستثمارات بقيمة 50 مليار دولار ستذهب بمعظمها للأراضي الفلسطينية على أن تُنفّذ خلال 10 سنوات، فيما سيتمّ منح مبالغ أخرى لمصر ولبنان والأردن، ما يعني باختصار إحلال صفقة إقتصادية بدلاً من التسوية السياسية التي نصّت عليها قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.

كما سيُشدّد الوزير حتّي، وبحسب الاوساط، على ضرورة تطبيق قرارات المجالس العربية وأهمّها ما ورد في مبادرة السلام العربية ببنودها كافة، التي اعتُمدت في القمة العربية التي عُقدت في بيروت في العام 2002، وتنصّ تحديداً على قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس، وعلى تسوية شاملة ودائمة وعادلة، والتي لم تدخل حيّز التنفيذ. والفضل يعود للبنان، بالدرجة الأولى، في اتخاذ هذا القرار الأشمل والأكثر واقعية والمبني على قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة التي وافقت عليها الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وكلّ الدول الأعضاء الدائمين وغير الدائمين.

ولفتت الأوساط نفسها الى أنّ ثمّة توافقاً عربياً، ويتطلّع لبنان الى أن يكون هذا التوافق ناشطاً بين جميع الدول العربية، وهو يُشكّل مرجعية بنهاية الأمر. فلم تقف أي دولة عربية حتى الآن لتقول انّها ضدّ مبادرة السلام العربية، حتى أنّ الدول الغربية تؤيّدها ولم تقل أي منها إنّها ضدّها. وفي رأي الأوساط، أنّه إذا كان ثمّة إعتدال وواقعية فهو بالموقف العربي، إذ لا يُمكن الإعتراف بالآخر قبل أن يعترف هذا الآخر بك، لأنّ كلّ شيء مرتبط ببعضه بعضاً. ولهذا فلا بدّ من إيجاد سلّة حلول، ولا شيء واقعي أكثر من هذا المنطق، ما يجعل التحدّي الذي يواجهنا كعرب أن نبلور أكثر في هذا الإتجاه. ورأت أنّنا كلبنان معنيون، أكثر من الدول الأخرى، بتسويات سلمية وعادلة وليس بتسويات مفروضة لخلق قضايا في المنطقة ولإحكام أعمال القانون الدولي وأعمال المواثيق الدولية وتفعيل قرارات مجلس الأمن لأنّنا من أكثر الدول تأثّراً بنتائجها.

ولفتت الاوساط، الى أنّه لو كان ثمّة احترام لقرارات الشرعية الدولية المتعلّقة بالمنطقة، لكانت قد حُلّت القضية الفلسطينية ومسألة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ودول الجوار، وأقيمت الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. غير أنّ عدم تطبيق هذه القرارات، جعل لبنان الأكثر تأثّراً من تداعياتها عليه. فالضفّة الغربية وغزّة، على سبيل المثال، هي أرض محتلّة، على ما يرد في المذكرات الأميركية، وليس لأنّ العرب يعتبرونها محتلّة. ولو كانت الدول لا تعتبرها محتلّة، لما صدر قرار مجلس الأمن الدولي بشأنها.

وعن الصفقة التي تجعل الدولة الفلسطينية على مساحة 70% من الضفّة الغربية فقط ومنزوعة من السلاح مع قطاع غزّة واتفق على أن تكون عاصمتها بلدة شعفاط بدلاً من القدس، و«السيادة الإسرائيلية» على القدس، أكّدت الأوساط نفسها أنّ هذا الطرح من غير الممكن أن «يُقلّع»، قبل الحديث عن توازنات معيّنة. فلا يُمكن إلغاء هويات وطنية، أيّاً كان موقف هذا الطرف أو ذاك، إذ يُمكن فرض حلّ ما بالقوّة، ولكن من الصعب فرض تسويات سلمية تُشكّل مصدر إستقرار.

وفي ما يتعلّق بما تنصّ عليه «صفقة القرن» من منح لبنان أكثر من 6 مليار دولار مقابل تجنيس وتوطين اللاجئين الفلسطينيين الذين يبلغ عددهم نحو 450 ألف لاجئ، أكّدت الاوساط أنّ «التوطين» هو خط أحمر بالنسبة للبنان، وهو موقف وفاقي، مشيرة الى أنّه مشروع غير مطروح عليه أساساً، ولن يُوافق عليه حتى ولو تمّ دفع كلّ أموال العالم له. وبالنسبة للفلسطينيين فالمسألة ليست مسألة تحسين وضعهم الإقتصادي أو المالي إنّما تتعلّق بحقوق هذا الشعب التي تنصّ عليها قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة القائمة على حلّ إقامة الدولتين، والتي لا بدّ من تطبيقها، لا أن يتمّ شطبها من قبل دولة سبق وأن وافقت عليها في الأمم المتحدة.

ومن هنا، يُنتظر أن يخرج العرب من اجتماع القاهرة اليوم بموقف موحّد حول رفض «صفقة القرن» وتداعياتها على دول المنطقة، وبحث سبل مواجهتها لوقفها واعتبار أنّها «وُلدت ميتة». كما سيعملون على وضع آليات تنفيذية لتنفيذ بنود قمّة بيروت العربية للسلام في ما يتعلّق بإعادة التأكيد على رفض توطين اللاجئين الفلسطينيين حيث هم في المجتمعات المضيفة لا سيما في لبنان والأردن ومصر. هذا وتعقد منظمة التعاون الإسلامي اجتماعاً طارئاً آخر على مستوى وزراء الخارجية يوم الاثنين المقبل للغاية نفسها.