ما كشف عنه عضو تكتل «الجمهورية القوية» ـ أي كتلة القوات اللبنانية ـ النائب انطوان حبشي باسم التكتل من هدر وتوظيف سياسي ومنافع شخصية، في وزارتي الطاقة والمايه والاتصالات مسألة ضرورية ومطلوبة ليس بالامس، بل منذ سنوات طويلة، ويعبر بشكل او بآخر عن جانب مما حصل من هدر للمال العام في هاتين الوزارتين، والاهم هو وجود توجه لمحاربة الفساد مع اهمية اعتماد مسارات مختلفة لذلك عن تلك التي اعلن عنها النائب القواتي حبشي، رغم دعوة الاخير بعض الاطراف السياسية وبخاصة كتلة الوفاء للمقاومة للتعاون من اجل مواجهة الفساد ومحاسبة الفاسدين.

ويشير سياسي عتيق من خارج القوى السياسية الحاكمة ان فتح كل ملفات الفساد والهدر في العهود والحكومات السابقة وحتى اليوم، أمر ضروري، اذا كانت الحكومة الجديدة او اي فريق سياسي يرغبان فعلياً في مواجهة الفساد وتبيان كل الوقائع حول حقيقة كل ما حصل خلال السنوات الثلاثين الماضية حول صرف المال العام، والآليات التي اعتمدتها في التعاطي مع الشأن العام وكل انواع الصفقات والتنفيعات وتقاسم الحصص، وبالتالي محاسبة الفاسدين والذين ساهموا في هدر المال العام او تعاطوا معه كأنه ملكيات شخصية يتصرفون به وفق ما يلاءم مصالحهم، ومصالح من يدعمهم ويغطيهم سياسياً، وبما يوصل لاستعادة المال المنهوب.

لكن السياسي المذكور يوضح بداية انه على كل القوى السياسية التي شاركت في السلطة وتقاسم الحصص عليها ان تقرّ بالدرجة الاولى بأن كل من هؤلاء يتحمل مسؤوليته عن الواقع المأزوم وهذا الانهيار الذي وصلت اليها لبلاد، ولو بنسب مختلفة بين هذه الاطراف، فعلى الاقل، فكل الذين تعاقبوا على ادارة البلاد ومن مواقع مختلفة ينقسمون كما قال عضو كتلة الحزب السوري القومي الاجتماعي النائب سليم سعادة في جلسة مجلس النواب قبل ايام خلال اقرار موازنة العام الحالي الى اربعة اقسام: «نوع بياكل وبيطعمي ونوع بياكل وما بيطعمي ونوع بيطعمي وما بياكل، ونوع لا بياكل ولا بطعمي بس ساكت عن يلي بياكل وعن يلي بيطعمي».

ولذلك يعتقد السياسي العتيق ان اي توجه للانقاذ والاصلاح ومحاربة الفساد والمفسدين لن يستقيم ويأخذ طريقه للعمل الفعلي والتطبيق، دون اقرار القوى السياسية المختلفة بجملة الحقائق التي ادت الى انهيار لبنان على كل المستويات وفي كل المقاربات والآليات التي تحكمت بالبلاد طوال السنوات الثلاثين الماضية، وجاءت الانتفاضة الشعبية لتكشف كل عوراتها وخطاياها، وهذه الحقائق يحددها السياسي المعني بالآتي:

ـ اولا: ان تقرّ كل الاطراف التي شاركت بأي شكل من الاشكال في الفترات السابقة ولو في فترات متقطعة انها تتحمل مسؤولية في الوصول الى هذا الانهيار، وليس المكابرة من هنا، أو رمي مسؤولية ما حصل على جهة معينة او فريق سياسي ولو ان المسؤولية ليست متساوية بين كل الاطراف، فأكثرية القوى السياسية تقر بأن البلد منهوب، لكن لا وجود لفريق سياسي يقر بتحمله المسؤولية عن هذا الانهيار بشكل او بآخر، وحتى كما قال النائب سليم سعاده عن النوع الرابع من الذين شاركوا في الحكم ووصفهم بأنهم نوع «لا بياكل ولا بيطعمي بس ساكت عن يلي بياكل وبيطعمي». فلا القوات اللبنانية تقرّ بأن تتحمل على الاقل جزءاً من المسؤولية عمّا وصلت اليه البلاد، لانها تمثلت في مجلس النواب والحكومات منذ العام 2005، الى جانب وجود موظفين كبار او متنفذين في غير مرفق عام، ولو بنسبة اقل من قوى أخرى، كذلك الامر ينطبق على كل الاطراف السياسية التي شاركت في كل العهود والحكومات السابقة، وكان لها حضور نافذ في تقرير عشرات القضايا المتصلة بانفاق المال العام، ووجود محسوبين لها في مؤسسات ومرافق الدولة، وتغطيتها لكل الذين استفادوا من المال العام بطرق وأساليب مختلفة، بل ان كل هذه الاطراف ومن «لفّ لفّهم» من المتنفذين والازلام فوق الشبهات وفوق الانتقاد والمساءلة. فهناك نهب ولا ناهبون او حتى متواطئون ومهملون ولا من غطى هذا الفساد وسكت عنه.

ثانياً: هناك شبه استحالة بالوصول الى اصلاح حقيقي ومحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين، طالما ان «المتاريس السياسية» والخلافات تتسع بين القوى السياسية وبالحد الادنى بين معظمها، فرغم الانهيار والافلاس الحاصل، فلا شيء تغيّر في كليشيهاتها السياسية، ولا مقاربتها، ليس فقط للواقع المأزوم، بل حتى في علاقة هذه القوى بين بعضها، حيث الثقة مفقودة بين كل هذه الاطراف، والعلاقات مقطوعة بين معظمها، بل ان الاتهامات بين بعضها تبلغ ما قاله «مالك بالخمرة» على غرار ما يحصل اليوم بين المستقبل والقوات اللبنانية وبين المستقبل والتيار الوطني الحر، وبين التيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي وما بين القوات اللبنانية والتيار الوطني وما بين تيار المردة والتيار الوطني والحبل على الجرار، فيما المسؤولية الوطنية تقتضي الترفع عن الحسابات الضيقة والصغيرة ورمي كرة النار من فريق الى آخر، وصولاً الى ميثاق سياسي جديد بين الاطراف السياسية في لبنان بحسب اقتراح وزير الخارجية الاردني السابق مروان المعشر، حيث يمكن ان يشكل هذا الميثاق المدخل السياسي للخروج من الازمة والخروج من منطق التعطيل والكيدية.

- ثالثاً: لا أفق ولا امكانية للاصلاح ومحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين، دون تنقية الجسم القضائي واستقلاليته عن التدخلات السياسية، فمصير مئات الملفات المقدمة بصفة إخبارات تنام في الادراج بسبب انعدام استقلالية القضاء.

لذلك، يلاحظ السياسي المذكور ان ما قدمه «تكتل الجمهورية القوية» في المؤتمر الصحافي عن هدر في المال العام وتوظيفات سياسية في وزارة الطاق او مستندين عن هدر لتنفيعات شخصية في وزارة الاتصالات، وان كانت ضرورة الاصلاح تتطلب عدم التغطية على أي طرف أو شخصية تولت السلطة، لكن بالطريقة التي طرحها نواب كتلة القوات اللبنانية يستشف منها أنها تتقصد توجيه الاتهامات الى جهة واحدة دون الاطراف الاخرى، فحتى في كلام النائب القواتي انطوان حبشي عن الهدر في وزارة الاتصالات لم يأت من قريب أو بعد على تيار المستقبل ممن خلال الوزراء او كبار المسؤولين في الوزارة المحسوبين عليه، مع الاشارة الى ان الهدر في وزارة الطاقة والعقود التي أبرمت من خلالها في كل الحكومات السابقة تتجاوز عشرات المرات المبالغ التي تطرق اليها النائب حبشي خلال وجود الوزير جبران باسيل على رأس الوزارة، منذ العام 92 وحتى اليوم، فالمحاسبة لا تكون مجتزأة خلال حكومة معينة، او تولي وزير واحد او اثنين لهذه الوزارة او تلك.

ويشير السياسي المذكور الى انه كان أحرى بكتلة القوات اللبنانية ان تضع اولا امام الرأي العام ما كان يحصل في الوزارات التي تولاها وزراء من القوات اللبنانية، حيث كان في امكان هؤلاء الوزراء إعداد ملفات مثبتة بالوقائع والاثباتات، طالما ان كل ما حصل من انفاق وصفقات وتنفيعات في هذه الوزارات كانت ميسرة لوزرائهم ولا تحتاج لارسال كتب الى هذا الوزير او ذاك المدير العام وكأن المقصود التغطية على بعض هذا الفريق او ذاك المسؤول السابق، والخطأ الثاني الذي ارتكبته كتلة القوات اللبنانية، في المؤتمر الصحافي انها تعمّدت اختصار الهدر بحقبة معينة تولاها الوزير باسيل بشكل خاص دون التطرق الى الهدر الضخم الذي حصل في وزارة الطاقة على مدى كل العهود والحكومات، حتى ولو غطت المضمون السياسي للحديث عن الهدر بتلك الفترة بحصولها على وثائق ومستندات حول صفقة أو أكثر تدور حولها شبهات حصلت في خلال تولي الوزير باسيل للوزارة، فالقوات تدرك كما غيرها ان مقاربة الاصلاح الجدي يتم بطرق اخرى، لمعرفتها أن الاتهامات عندما تعطى شكلاً من أشكال تصفية الحسابات السياسية، فنتائجها ستكون بعكس مما هو مطلوب، وهو المحاسبة والكشف عن كل مَن ساهم في هدر المال العام والتجارب السابقة بهذا المعنى لم تصل الى نتيجة، لأنها أدخلت الواقع السسياسي في مزيد من التوترات السياسية والطائفية، فعندما يتحدث فريق سياسي مباشرة او من خلال كتلته كما فعلت كتلة القوى اللبنانية عن مكامن الهدر وضرورة مواجهة ومحاسبة المسؤولين عنه يختلف كلياً عن لجوء شخصية مستقلة او مجموعة من المجتمع المدني لتقديم إخبار او الكشف عن مكامن الفساد في هذه الصفقة او عبر هذا المسؤول السياسي، حيث سيتم تفسير هذا التوجه المجتزأ على ان له ابعاداً سياسية فكيف عندما توجه القوات اللبنانية اتهاماتها باتجاه خصمها السياسي الاول؟