هل يدفع لبنان ثمن رفضه «صفقة القرن»؟ غياب الإستقرار السياسي والإقتصادي والمالي والنقدي وحتى الإجتماعي وتزامنها مع إطلاق صفقة القرن منذ ما يُقارب العام وإعلانها رسميًا أول من أمس من قبل الرئيس دونالد ترامب بحضور نتنياهو، يدفع إلى القول أن ما يواجهه لبنان من أزمات هو نتاج الضغط على حكومته للقبول بصفقة القرن.

هذا القول حق، إلا أنه لا يُلغي بأي شكل من الأشكال فشل السياسات الإقتصادية التي قادتها الحكومات المُتعاقبة وتفشّي الفساد في إدارات الدولة ومؤسساتها، لا بل على العكس، سهّلت الحكومات المُتعاقبة (من دون علمها) الضغوطات الخارجية على لبنان من خلال سياساتها الإقتصادية الفاشلة التي أنتجت إقتصادًا ريعيًا بإمتياز.

نعم إعتماد الإقتصاد اللبناني على الإستيراد والإستدانة بالدولار الأميركي جعله رهينة الخارج ومن المُتوقّع أن يتمّ إعتماد سياسية «السيطرة على لبنان» من خلال دينه العام الذي لا ينفكّ يرتفع كل يوم. إلى الأن 16% من دين لبنان ممسوك من الخارج وبالتالي لا مخاوف كبيرة من الخارج، إلا أن المشاكل المالية التي يواجهها لبنان على الصعيد المالي والخيارات والتي تُمثّل التوجّهات الرسمية، هي نحو الإستدانة من الخارج لتمويل إستحقاقات الدولة اللبنانية في المرحلة المُقبلة. وهذا ما سيجعل نسبة الدين الممسوكة من الخارج أكبر. وبمحاكاة بسيطة يُمكن الإستنتاج إن الدين العام سيرتفع بوتيرة أعلى في الأعوام المقبلة (ما لا يقلّ عن 10 مليار دولار سنويًا) إذا فشلت الحكومة الحالية في إيجاد حلول داخلية. وبالتالي سيفقد لبنان سيادته من الباب المالي عبر دين لن يكون بمقدور الماكينة الإقتصادية التي أوجدتها السياسات الإقتصادية السابقة من دفع كلفة هذا الدين.

هذا الواقع الأليم سيجعل «تطويع القرار السياسي اللبناني» أسهل خصوصًا إذا كانت التداعيات الإجتماعية هي الأكثر ضررًا على المجتمع اللبناني. وهنا يُطرح السؤال عن خطّة الحكومة اللبنانية لمواجهة الأزمة الإجتماعية المُتمثّلة بنقص المواد الغذائية والتي ستؤدّي إلى إضطرابات سيكون من الصعب السيطرة عليها.

إذًا الحكومة اللبنانية أمام خطرين مُحدقين: الأول ويتمثّل بإيجاد تمويل لإستحقاقاتها المالية، والثاني ويتمثّل بالكارثة الإجتماعية التي من المُمكن أن تضرب لبنان في الأشهر المقبلة.

اللبنانيون بدأوا يخسرون وظائفهم، أما الذين يحتفظون بوظائفهم فمدخولهم تراجع إلى النصف، وهذا الأمر له تأثير مباشر على القدرة الشرائية. وقد أصبح خفض الأجور في القطاع الخاص شبه مُعمّم بغية الصمود فترة أطول وهو ما يقبله الموظّف على مضض نتيجة عدم وجود خيار أخر. عمليًا، مع إرتفاع أسعار السلع والبضائع الناتجة عن إرتفاع سعر دولار الصيرفة وعدم قدرة القطاع المصرفي على تأمين دولار الإستيراد ، سيجعل من حصول المواطن على المواد الغذائية أكثر صعوبة. وإذا كان المواطن اللبناني لم يصل بعد إلى نقطة حرجة نظرًا إلى قيمة الليرة اللبنانية المُرتفعة والتي تؤمّن إلى حدٍ بعيد قدرة شرائية بحدّها الأدّنى، إلا أن المس بسعر صرف الليرة (مهما كانت الحجج) سيُظهر بشكل شبه فوري أزمة حادة لا يُمكن تدارك تداعياتها السلبية!

والأصعب في الأمر أن الدولة عاجزة عن القيام بأي خطّة لتخفيف هذه التداعيات نظرًا إلى أن عجز ماليتها العامة وعدم قدرتها على الإستدانة في الأسواق والمُقاطعة العالمية، لا تُعطيها أي هامش!

على الصعيد المالي، الحكومة تسعى إلى إيجاد مصدر لتمويل إستحقاقاتها. وهنا لب القصيد، إذ أن اللجوء إلى الخارج سيكون له ثمن سياسي لا نعلم إذا كان بمقدور لبنان دفعه. وإذا كانت المُتطلبات الدولية العلنية تتمثّل بحكومة قادرة على القيام بإصلاحات ومحاربة الفساد وهذا ما ندعو إليه منذ سنوات طويلة، إلا أن المُتطلبات غير المُعلنة تبقى رهن التكهنات (توطين الفلسطنيين!).

بالطبع الإسراع في تحفيز الإقتصاد هو من الأمور المطلوبة داخليًا لمواجهة هاتين المُشكلتين (الإجتماعية والمالية)، إلا أن هذا الأمر يأخذ وقتًا قبل أن يُعطي النتائج المرجوّة. من هنا نرى أنه من الضروري على الحكومة الإسراع بوضع جدول بإستحقاقاتها المالية وإيراداتها على العامين المُقبلين لمعرفة حجم النقص في التمويل ومحاولة إيجاد تمويل داخلي نظرًا إلى أهمية تفادي الأثمان السياسية التي لا يُمكن القبول بها ونظرًا إلى أن الظروف الإجتماعية التي قد تفرضها الأزمة الراهنة لا تقل خطورة عن الثمن السياسي المطالب به لبنان مُقابل المُساعدة الخارجية.

التمويل الداخلي لا يُمكن أن ينجح إلا بمحاربة الفساد والقيام بالإصلاحات اللازمة، لأن العكس يعني أن هذا التمويل لن يُبصر النور وسيتوجّه لبنان نحو الإستدانة أكثر فأكثر وبالتالي سيُصبح مثل العديد من الدول رهينة دينه الخارجي والذي سيفرض في وقت من الأوقات الخيار بين الأمَرّين: إمّا مجاعة أو توطين!

كلمة إستراتيجية غير موجودة في القاموس اللبناني، ولو كانت موجودة لعلم القيّمون على الدوّلة منذ عقود أنه سيأتي يومًا سيكون لبنان رهينة وضعه الإقتصادي والمالي والإجتماعي ولكانت سياسات الحكومات المُتعاقبة تغيّرت بشكل ملحوظ سمحت أقلّه للبنان بالإعتماد على ماكينته الإنتاجية لسدّ حاجة سوقه من المواد الغذائية الأساسية وهو ما ليس متوفّر اليوم، ولما كانت هذه السياسات لتسمح بتفشّي الفساد إلى هذا المستوى الذي وصلنا إليه.

«صفقة القرن» هي أشبه بـ «سايكس - بيكو» جديد لكن الظروف غير مُتشابهة، فسايكس - بيكو فُرض بقوّة السلاح أما صفقة القرن اليوم يتمّ فرضها بالترهيب والترغيب، حيث أن القبول بهذه الصفقة سيسمح للبنان بالحصول على 6.35 مليار دولار أميركي (وما أحوج لبنان لهذه الأموال)، والرفض يعني المزيد من الغوص في الأزمة إن إقتصاديًا أو ماليًا أو إجتماعيًا وحتى نفطيًا حيث لن يكون من السهل إستخراج النفط من البحر (خيار الأمَرّين!).