تشقّ الحكومة طريقها نحو ورشة العمل الموعودة في اجواء مشجعة بعد الانطلاقة المرنة لها منذ ولادتها.

ولعلّ ابرز ما يميز هذه الانطلاقة الايجابية هو تبلور الموقف الداخلي والخارجي باعطائها فرصة ومهلة للقيام بمهامها والعمل لمواجهة الاعباء والملفات والوضع الخطير الذي يتخبط به لبنان.

وكشفت مصادر مطلعة لـ«الديار» في هذا المجال عن ان الرئىس حسان دياب لا يخفي ارتياحه امام بعض الزوار للاجواء التي لمسها خلال لقائه عدداً من السفراء قبل وبعد ولادة الحكومة والتي تتقاطع عند الرغبة في التعاون مع حكومته في تحقيق برنامجها الاصلاحي والانقاذي.

وقالت المصادر ان الرئيس دياب يحضّر بعد نيل الثقة لبرنامج تحرك ناشط نحو دول الخليج وبعض الدول المانحة والمؤثرة لاستعادة وتعزيز الثقة بلبنان من اجل كسب الدعم والمساعدة في امتحانه الكبير المتمثل بمواجهة الأزمة الكبيرة التي يعاني منها لا سيما على الصعد الاقتصادية والمالية والاجتماعية.

وأمس بدأت اللجنة الوزارية برئاسة رئيس الحكومة درس مشروع البيان الوزاري الذي يتوقع ان لا يكون فضفاضاً كما عبر مصدر وزاري لـ«الديار»، مشيراً الى ان البيان سيتضمن بالدرجة الاولى البنود الاصلاحية ومطالب الانتفاضة الشعبية خصوصا ما يتعلق بمحاربة الفساد، واستعادة الاموال المنهوبة، واستقلالية القضاء وتنشيطه، وتعزيز الوزارات والقطاعات الانتاجية وغيرها.

واضاف المصدر ان البيان سيحاكي مطالب الهيئات والدول المانحة لجهة التركيز على محاربة الفساد وترشيد الانفاق، مشيرا الى ان هناك مواقف ايجابية من هذه الدول والهيئات مشروطة بتحقيق الاصلاحات.

واكد المصدر ان هذه الاصلاحات والاجراءات لن تكون على حساب الفقراء وذوي الدخل المحدود، بل على العكس فانها ستكون لصالح هذه الفئات والدولة.

ولم يكشف المصدر عن تفاصيل توجهات البيان في ما يخص السياسة الخارجية والدفاعية، لكن المعلومات المتوافرة تفيد بأن الحكومة الجديدة لن تزايد على الحكومة المنصرفة في هذا المجال وستلتزم «بالديباجة» التي وردت في بيانها حول موضوع المقاومة والسياسة الخارجية.

وقال ان الحكومة لا تريد الزام نفسها بفترة محددة لانجاز البيان الوزاري مع العلم ان المهلة هي شهر كامل، لكن هناك رغبة قوية في ان ينجز بأسرع وقت لنيل الثقة والانصراف الى ورشة العمل الكبيرة التي تنتظرها.

وعلمت «الديار» في هذا المجال ان اللجنة الوزارية ستكثف عملها لتحقيق هذه الرغبة في فترة لن تزيد عن اسبوع، بحيث تكون جلسة الثقة في مطلع شباط المقبل وستعقد اللجنة جلستين لها اليوم وغداً لمتابعة العمل على صياغة البيان.

كما علمت ان اتصالات جرت مع قيادتي الجيش وقوى الأمن الداخلي لتأمين انعقاد جلستي مناقشة الموازنة بعد غد الاثنين وجلسة الثقة التي سيدعو لها الرئيس بري في وقت لاحق بعد اقرار مجلس الوزراء للبيان الوزاري.

واضافت المعلومات ان قراراً قد اتخاذ لتأمين انتقال النواب الى الجلستين من دون معوقات على ان يتولى الجيش حماية الطريق الذي سيسلكه النواب، وان تعطيل جلسة الثقة خط أحمر وهو أمر غير وارد.

ونقلت وزيرة الاعلام منال عبد الصمد بعد اجتماع اللجنة الوزارة للبيان الوزاري عن الرئىس دياب انه شدد على «الابتعاد عن الجمل الانشائية في البيان واعتماد الحقائق والالتزام بما نستطيع تنفيذه».

واكدت العمل على الاسراع في العمل لانهائه «لان الظروف ضاغطة، ونحن نعمل ليلا نهاراً على ذلك». وقالت «ان هذا البيان واقعي، وان هدفنا وضع خطة يمكن ان تلبي المطالب وتضع خطوطاً عريضة، ومجلس النواب يمنحنا الثقة على ضوء المعطيات التي نضعها والقرار له».

على صعيد آخر، لفتت مصادر مطلعة الى ان الاجواء السياسية الداخلية بدت في الساعات الثماني والاربعين الماضية تميل الى التهدئة اكثر، وعكست هذه الاجواء سلسلة عمليات التسلم والتسليم خصوصاً بين الوزراء الجدد ووزراء المعارضة (المستقبل والقوات والاشتراكي).

وقالت المصادر ان الحركة الاحتجاجية التي قام بها انصار الحريري والمستقبل وشارك فيها ايضاً مناصرو «القوات اللبنانية» بعد ولادة الحكومة استمرت ليومين وتراجعت بعد ذلك خصوصاً بعد اعمال الشغب والتكسير التي طاولت وسط بيروت، والتي حرص الرئيس الحريري على انتقادها نافياً بشدة مشاركة انصاره فيها.

واضافت ان الاصابع وجهت الى جهات داخلية وخارجية بانها دعمت انتقال المحتجين من الشمال الى بيروت، وان هذه العملية شكلت احراجاً كبيراً للرئيس الحريري الذي كان انصاره في الطريق الجديدة وكورنيش المزرعة والبقاع قد نزلوا الى الشارع للاحتجاج على الحكومة الجديدة.

ورأت هذه المصادر ان ما جرى في وسط بيروت الاربعاء الماضي شكل مادة للخلافات بين مجموعات الحراك الشعبي ما أدى الى تراجع حركة الاحتجاجات في اليومين الماضيين.

وعلى المستوى السياسي لفتت المصادر الى اعلان الحزب التقدمي الاشتراكي على لسان رئيسه وليد جنبلاط وبعض قياداته على اعطاء فرصة للحكومة للعمل من اجل الانقاذ، مشيرة في الوقت نفسه الى ان نبرة تيار المستقبل و«القوات» قد تراجعت نسبيا خصوصا بعد أن تبين ان ردود الفعل الخارجية جاءت بالعموم غير نافرة او معارضة للحكومة الجديدة.

وبعد المواقف الايجابية التي سجلت للامين العام للأمم المتحدة ولفرنسا ولدول اوروبية اخرى، توقفت مصادر مطلعة عند الموقف الاميركي ملاحظة انه لم يأت على انتقاد الحكومة الجديدة بل ركز على تلبية مطالب الشعب اللبناني، واستمر في توجيه حملته على حزب الله من دون ذكر الحكومة.

وفي اطار المواقف الدولية اكد المنسق الخاص للامم المتحدة في لبنان ايان كوبيتش بعد زيارته الرئيس دياب انه لمس «جدية واشارات ايجابية من رئىس الحكومة والمهم ان نرى تنفيذاً للوعود بالاصلاحات واعتماد الشفافية حتى اقصى الحدود»، مشيراً الى «ان ما ينتظره المجتمع الدولي من الحكومة هو الاصلاحات ومجابهة الفساد فعليا والاستماع الى مطالب الناس في الشارع».