بروفسور جاسم عجاقة

في ظل الظروف الصعبة التي تجتاح لبنان والتي تُعتبر الأسوأ منذ إنتهاء الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، تنصّب الأضواء على الحكومة لمعرفة خطّتها الإنقاذية حيث أخذت وسائل الإعلام بترقّب كل كلمة تصدر عن أعضاء الحكومة الجديدة لبناء التحاليل عليها.

المُعطيات تُشير إلى أنه وحتى اللحظة لا خطّة عملية موضوعة من قبل الحكومة بل توجّهات عبّر عنها كل من رئيس الحكومة حسان دياب الذي قال أنه سيقوم بزيارة الدول الخليجية بعد نيل الحكومة الثقة ووزير المال غازي وزني الذي صرّح بأن لبنان يحتاج إلى دعم خارجي بين 4 إلى 5 مليار دولار أميركي. إذًا بالمُطلق يُمكن القول أن الحكومة تُفضّل طلب المُساعدة الخارجية كخيار أوّل أمامها قبل البدء بورشة الإصلاح الداخلي. وما يُعزّز هذا القول تصريح وزير المال أن على الحكومة أخذ القرار في ما يخصّ إستحقاق أذار المُقبل في أسرع وقت.

في الواقع هذا الأمر إنسحب سلبيًا على الرأي العام الذي إعتبر أن نهج هذه الحكومة سيكون كسابقاتها يعتمد بالدرجة الأولى على الإستدانة وسيؤدّي حكمًا إلى مزيد من الدين الخارجي.

الخطّة الواجب إتباعها من قبل الحكومة لحلّ الأزمة المالية التي تواجهها الدوّلة على صعيد إستحقاقاتها المالية وبالتحديد إستحقاقاتها بالعملات الأجنبية، يجب أن تبدأ من الداخل. فالخطوة الرئيسية التي هي تمهيد لأي عمل أخر هو القيام بجردة على الإستحقاقات المالية لهذا العام مع التواريخ بالإضافة إلى التوقّعات بالإيرادات مع التواريخ بهدف مقارنتها وتحديد النقص في الإيرادات الواجب تأمينه.

ثم تأتي الخطوة الثانية والتي تتمثّل بتحديد مصدر تمويل هذا النقص إن من خلال رفع الإيرادات و/أو خفض الإنفاق. وقد أثبتت الأحداث التي واكبت مناقشة موازنة العام 2019 (ومن قبلها موازنة 2018) أن الحكومة لم تقم بحساب دقيق للإيرادات التي هي توقّعات ولكن تفرض تحديد هامش لها. وما نسبة التحصيل البالغة 62% من الإيرادات المُتوقّعة إلا دليل واضح على عدم إتباع منهجية علمية لتحديد هذه الإيرادات، بل هي أقرب إلى تخمينات مبنية على الماضي وبالتالي مع الفساد المُستشري يُصبح تحديد هامش هذه التوقّعات من الأمور المُستحيلة.

من أولى الأمور الواجب القيام بها على هذا الصعيد قبل طلب المساعدة الخارجية، هو وضع خطّة لتحسين الجباية ومحاربة الفساد ووقف الهدر في وزارات الدولة ومؤسساتها على كل أشكالها. وهذا الأمر يعني وضع خطّة من سبعة بنود:

أولا- مكافحة التهرّب الضريبي الذي يُشكّل عقبة أساسية أمام تحقيق إيرادات الخزينة. على هذا الصعيد، يتوجّب وضع خطّة لكشف التهرّب الضريبي بكل أنواعه، وهناك طرق عملية معروفة عالميًا لملاحقة التهرّب الضريبي الذي هو أول وجه من أوجه الفساد في لبنان.

ثانيًا- ملاحقة التهريب الجمّركي من ناحية أن هذا الأمر أصبح يُشكّل مُشكلة كيانية على لبنان. هل يعُقل أن لا سيادة مالية للدولة اللبنانية على أراضيها مع العلم أن الضريبة والرسم الجمركي هما من مكونات السيادة لأي دولة في العالم؟

ثالثًا - مكافحة إستباحة الأملاك العامة من أملاك بحرية ونهرية وسكك حديد ومشاعات للدولة يتمّ وضع اليدّ عليها إن عبر التزوير أو عبر الإستقواء. هذا الأمر هو شق أساسي خصوصا أنه يُمكن إعادة وضع هذه الأملاك بتصرّف أشخاص أو شركات يدفعون بدل إشغال يعكس القيمة الحقيقية لهذه الأملاك.

رابعا - وقف هدر شركة كهرباء لبنان بكل الوسائل المُمكنة عبر تعجيل تطبيق الخطّة وتقصير مُدة تنفيذها إذ لا يُعقل أن يستمرّ دفع الأموال سنويًا من خزينة الدولة لشركة لا تستطيع تأمين الكهرباء 24/24. هذا التعجيل في تنفيذ الخطّة يجب أن يواكبه رفع التسعيرة وتحرير القطاع على أن تكون الدولة مُشرفة على تطبيق القوانين فيه.

خامسا - ملاحقة الهدر والفساد في الموازنة عبر وقف كل المؤسسات والأجهزة الإدارية التي لا لزوم لها. وبحسب مناقشات موازنات 2019 و2020، يُناهز عدد هذه المؤسسات المئة مؤسسة! أيضًا يتوجّب إعادة هيكلة القطاع العام لترشيده وتخفيف الحمل على الخزينة من خلال إعادة توزيع الموظّفين حيث هناك حاجة مع مكننة كل أجهزة الدولة. أيضا من الضروري إعادة النظر في إيجارات الدولة ونفقاتها التشغيلية على كل الأصعدة عملا بمبدأ أنه لا يُمكن لأحد العيش فوق قدراته المالية.

سادسًا- فتح ملف الأموال المنهوبة على مصراعيه وتسليمه إلى القضاء بعد إقرار قانون إستقلالية هذا الأخير.

سابعًا- بالتوازي مع هذه الخطوات يتوجّب على الحكومة وضع الخطة الإقتصادية من خلال البدء بمناقشة خطة ماكنزي وتعديلها أو أخذ أفكار منها بهدف تطبيقها ودفع العجلة الإقتصادية.

وعند الإنتهاء من وضع هذه الخطّة، يتوجّب على الحكومة إعادة إحتساب جداول الإستحقاقات والإيرادات مع التواريخ وذلك بهدف تحديد النقص في التمويل. عندها يُمكن للحكومة التفاوض مع المصارف أو مع المجتمع الدولي للحصول على تمويل لتنفيذ خطتها.

هذه المنهجية تُعطي للحكومة ثقة الشارع اللبناني وثقة المُجتمع الدولي وسيكون هناك دعم دولي للبنان إن من خلال مؤتمر سيدر أو سيدر 2 أو طلب مساعدة صندوق النقد الدولي أو غيرها.

وتبقى النقطة الأغرب في كل ما يحصل، تتعلّق بإقرار موازنة العام 2020 حيث كيف للحكومة التي لم تدرس ولمّ تقرّ هذه الموازنة أن تستطيع الإلتزام بها؟ فالطريقة المطروحة لإقرار الموازنة تُظهر كأنها مفروضة فرض على الحكومة العتيدة وهي لم تُقرّ لا من قريب ولا من بعيد هذا المشروع.

ولكي نكون عادلين في حكمنا يتوجّب القول أن لجنة المال والموازنة قامت بعمل أساسي سيخدم بشكل كبير الحكومة العتيدة وليس عليها أن تبدأ من الصفر. إلا أن ما أضافته لجنة المال والموازنة هو شق من عمل أكبر خصوصًا أن الإطار المالي والإقتصادي والنقدي والإجتماعي تبدّل بشكل كبير.

من هنا نرى ضرورة إستعادة مشروع الموازنة لوضع خطّة الحكومة الإنقاذية ضمن الموازنة مع ما قد يتطلّبه الأمر من طلب مُساعدة خارجية أو حلول داخلية لتخطّي مُشكلة العجز هذا العام والعجز المُتوقّع العام المُقبل.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، العجز في مشروع موازنة العام 2020 كما قدّمه الرئيس الحريري كان مبّنياً على مُساهمة المصارف والمصرف المركزي. إلا التغيير في المعطيات يطرح السؤال عن قدرة القطاع المصرفي على إحترام إلتزاماته السابقة؟

وكيف لنا أن ننسى قطوعات الحساب عن السنين الماضية؟ هل أصبحت الموازنات تُقرّ بشكل تلقائي من دون قطوعات حساب؟ وإذا قبلنا (نظريًا) بإقرار موازنة 2020 من دون إقرار قطوعات الحساب، كيف لنا أن نعرف وضع المالية العامة بشكل دقيق مع العلم أن هناك 16.3 مليار دولار أميركي فارق بين حسابات الدوّلة وبين التعديلات التي قامت بها وزارة المال لتصحيح الأخطاء فيها على الفترة المُمتدة من العام 2007 إلى العام 2017؟ إن إقرار الموازنة من دون أن تضع هذه الحكومة مشروعها الإنقاذي فيه سيُعطي نفس نتائج الموازنات السابقة!

في الختام لا يسعنا القول أنه من الحكمة البدء بحلّ المشاكل داخليًا قبل التوجّه إلى الخارج وطلب المساعدة لأن في ذلك إشارة إيجابية قويّة للمجتمع الدولي وللداخل اللبناني أن الحكومة العتيدة تحمل مشروع إنقاذي واضح ويذهب بالإتجاه الصحيح. عندها يُمكن للدولة أن تطلب من المواطن القيام بتضّحيات.