أثار تصريح وزير المال غازي وزني ذعرًا في الأسواق بعد تصريحه عن أن «العودة إلى سعر الـ1500 ليرة بات أمراً مستحيلاً». هذا التصريح أتى في معرض الحديث عن سعر الدولار لدى الصيرفة الناتج عن الطلب الكبير في الأسواق والناتج عن الأزمة السياسية الحالية، وبالتالي لا يُمكن لسعر الدولار لدى الصيارفة بالعودة إلى السعر الرسمي إلا بإنحسار الأسباب. لكن للأسف إجتزاء حديث وزير المال أدّى إلى تفسيره بغير شكله المقصود.

إلتزام الصيارفة بالهامش الذي حدّدته نقابتهم، قابله إمتناع البعض منهم عن بيع الدولار بحجة عدم وجوده. إلا أن الحقيقة أن هؤلاء يُعوّلون على عودة التعقيدات السياسية مما سيرفع تلقائيًا من سعر صرف الدولار لدى الصيارفة.

في الواقع المُشكلة الأساسية آتية من الضغوطات الأميركية على لبنان والتي هي نتاج صراع دولي - إقليمي قطبيه أميركي وإيراني. وبالتالي خفّ تدفق العمّلة الصعبة إلى لبنان وهو ما أدّى إلى لجم الدولارات من قبل المصارف ورفع أسعار السلع والبضائع من قبل التجار بشكل غير قانوني وغير شرعي.

اليوم كمية الدولارات الموجودة في لبنان محدودة وأوجه إستخدامها تنقسم إلى ثلاثة أجزاء:

أولا - تمويل الإستيراد البالغ 20 مليار دولار أميركي؛

ثانيًا - تمويل نفقات الدولة اللبنانية بالعملة الصعبة والتي تفوق الـ 8 مليار دولار أميركي هذا العام؛

ثالثًا - الدفاع عن سعر صرف الليرة اللبنانية المثبّت على 1507.5 ليرة للدولار الواحد.

إذًا أوّلية الخيارات بين هذه الإستخدامات الثلاثة، يقع على عاتق السلطة السياسية التي يتوجّب عليها القيام به. ولكن أي خيار هو المُمكن لهذه الحكومة؟ وهل هناك من بدائل للتمويل عن الدولارات الموجودة في القطاع المصرفي؟

الحدّ من تمويل الإستيراد (الخيار الأول) هو خيار قامت به المصارف ومصرف لبنان حيث تمّ حصر التمويل بالمواد الأساسية (محروقات، قمح، أدوية ومستلزمات طبية). أما الباقي فيتمّ تمويله حتى الساعة من الدولارات التي تمّ سحبها من النظام المصرفي قبل الأزمة ولكن أيضًا من الدولارات التي يتمّ شراؤها من الصيارفة. هذا الخيار كان له ردّة فعل عنيفة من قبل المواطنين الذين شهدوا إرتفاع أسعار كبيرة في وقت قصير. وتوجّهت الإتهامات نحو مصرف لبنان وسياسة تثبيت سعر صرف الليرة التي يتبعها (؟).

الخيار الثاني هو وقف أو الحدّ من تمويل الدولة اللبنانية بالعمّلة الصعبة والذي سيضعها في وضع صعب ستعمد من خلاله السلطة السياسية إلى أخذ خيارات أكثر قساوة مثل رفع الضرائب بشكل كبير أو الخيارات التي يقوم البعض بطرحها في الإعلام (هيركت، تحويل الحسابات الدولارية إلى حسابات الليرة اللبنانية...)! وبما أن الثمن السياسي لهذه الخيارات عالٍ جدًا على من يريد أخذ مثل هذه القرارات، وبما أنه لا يُمكن الإستدانة في الأسواق بكلفة مقبولة، وبما أن طلب المساعدة الخارجية له أثمان سياسية لا إستعداد داخليًا لدفعها، وبما أنه لا يُمكن ترك الدولة تُفلس، لذا نرى أن هذا الخيار هو شبه مُستحيل!

الخيار الثالث هو تحرير سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي وإستخدام الدولارات لتمويل الإستيراد ومالية الدولة. هذا يعني أن المواطن سيخسر من قدرته الشرائية بنسبة تُعادل إنخفاض سعر صرف الليرة اللبنانية (دولار بـ 3000 ليرة لبنانية يعني إنخفاض بالقدرة الشرائية بنسبة 50%)! وهذا الأمر يعني أن فشل السياسات المالية التي قامت بها الحكومات المُتعاقبة سيتحمّلها المواطن بشكل مباشر. وبحسب التوقّعات فإن قدّرة الدولة على الصمود ستضّعف مع غياب الإيرادات بالعملة الصعبة وضعف الإيرادات بالعملة اللبنانية كما أن الأموال المتوافرة ستكفي لفترة من الوقت لتعود بعدها مُشكلة إيجاد الدولارات للإستيراد لتفرض نفسها وبقوّة أكبر.

كل ما ذكرناه أعلاه هو بفرضية أن الأمور السياسية بقيت على حالها ولم تحصل الحكومة على رضى الشارع والمُجتمع الدولي. هذه الفرضية نابعة من مُنطلق أن المُشكلة اللبنانية لها أبعاد إقليمية ناتجة عن الصراعات الإقليمية والتي تفرض نفسها (بالقوّة) على الساحة اللبنانية. لكن بفرضية أنه تمّ إيجاد حلّ سياسي وقامت الحكومة بوضع خطّة إنقاذية واضحة مع دعم دولي، فإنه بهذه الحالة لن يكون هناك حاجة لتحرير سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي وضرب المواطن اللبناني في حياته اليومية.

التداعيات الإجتماعية التي ستنتج عن تحرير سعر صرف الليرة اللبنانية، هي تداعيات كارثية ومن الصعب جدًا وضع نماذج علمية قادرة على قياس التداعيات الإجتماعية نظرًا إلى غياب الأرقام الدقيقة التي تصفّ الوضع الحالي. أيضًا نرى أن هناك صعوبة أن تقوم السلطة السياسية بأخذ مثل هذا القرار نظرًا إلى ما سينتج عنه من نتائج غير محمودة.

المصرف المركزي وعلى لسان حاكمه، أكّد أكثر من مرّة أن لا تغيير في سعر صرف الليرة الرسمي. وبالتالي سيفرض إستمرار الأزمة السياسية إستمرار وجود سعر الدولار لدى الصيارفة أعلى من السعر الرسمي والذي لا يُمكن أن يعود إلى السعر الرسمي إلا بإنتفاء الأسباب أي حلّ للمُشكلة السياسية القائمة ما يُمكن وصفها بمشكلة داخلية - داخلية (مواطنين مع السلطة وأحزاب فيما بينها) وداخلية - خارجية (بين لبنان والمُجتمع الدولي).

من هذا المُنطلق نرى أن الحلّ يكمن في عمل الحكومة على وضع خطّة للقيام بالإصلاحات الضرورية ومحاربة الفساد والتفاوض مع المُجتمع الدولي للحصول على الدعم المالي اللازم.