حكومة اللون الواحد...؟!

كل الحكومات (حكومات الوحدة الوطنية) التي تعاقبت على ظهورنا هي حكومات اللون الواحد، والا كيف لها أن تتفق، هكذا أوركسترالياً، على تفريغ حتى الزمن من محتوياته، والاكيف لها أن تتفق، هكذا أوركسترالياً، على صناعة الكارثة؟

الفئران تراقص الفئران داخل خزينة الدولة. من أين قصورهم، من أين ودائعهم، من أين أطيانهم، من أين مواكبهم، من أين أزلامهم؟ أليس كل هذا من المال العام؟

أمام احدى الكاميرات «يا أخي، حكومة ولو كان فيها غوار الطوشي». ليت بعض الوزراء بحنكة، وبخفة ظل، وبشفافية، غوار الطوشي!

وليد جنبلاط الذي يقال أنه يرى أكثر مما يرى غيره، غرّد لدى الاعلان عن التشكيلة «أي حكومة أفضل من الفراغ لأن الآتي أصعب، ومن الأفضل أن نكسر الحواجز كي لا نضيع في لعبة الأمم».

لا ندري لماذا أغفل لعبة القبائل أيضاً. لكنه منطق رجل الدولة، لا منطق الغوغاء، عند هذا المفترق، وحين تحدق بنا الاحتمالات، وحين تحدق بنا الصراعات، من كل حدب وصوب. الشرق الأوسط كله على فوهة البركان.

حكومة حسان دياب. قال الكلام الذي يفترض أن يقال. تشكيلة بوجوه فذة، أيضاً بوجوه باهتة، ومعلبة، ومضحكة أحياناً. هل يصلح ذلك الطراز من المومياءات لهذه المرحلة المحورية، وحيث يقتضي وضع خارطة الطريق التي تفضي الى الخلاص؟

ردات الفعل كانت متوقعة. نتوقع الأكثر. سعد الحريري قال ان الكرسي (الكرسي الكهربائي؟) بات وراءه. لا نتصور أنه يود القول «... والخندق امامي». رئيس حكومة سابق قال له «انتظر جثة حسان دياب على ضفة النهر».

مشكلة الشيخ سعد ليست في جمهور تيار المستقبل الذي يرى فيه الضحية. مشكلته في الذين اخترقوا هذا الجمهور، ورفعوا الشعارات الملتهبة، علهم يحلون محله في قيادة... المسيرة!

في الشارع «الثورة اليوم هي غيرها في الأمس». لماذا؟ نعلم أي تركيبة أخطبوطية تتحكم بكل مفاصل، وبكل تفاصيل، الدولة. هذا لا يحول دون التساؤل ما البديل الذي طرحه الثوار سوى الصراخ، وسوى الاختيال (والثرثرة) أمام الكاميرات؟

لا ثورة من دون دم. هل يتحمل لبنان نقطة دم واحدة ليغدو أثراً بعد عين؟ الثورة الفرنسية توّجت برأس لويس السادس عشر، وبرأس ماري أنطوانت، يتدحرجان عند المقصلة. الثورة البولشفية توّجت باعدام كل أسرة رومانوف بدءاً بالقيصر. حتى حين قام عبد الكريم قاسم بانقلابه (وقيل ثورة 14 تموز)، أبيدت العائلة المالكة عن بكرة أبيها.

بعد مائة يوم من الضجيج في الشوارع، ومع اقتناعنا بان غالبية المتظاهرين ممن حولتهم الطبقة السياسية الى حطام بشري، هل استطاع الثوار الاقتراب من الحصون، ومن القلاع، ومن أصحاب التيجان المرصعة؟

لم يقتربوا، ولن يتمكنوا من الاقتراب. قد نتفاءل ونقول ان حكومة حسان دياب مرحلة انتقالية بين الجمهورية الثانية والجمهورية الثالثة. لا نراهن، في هذه المنطقة الضائعة بين ثقافة الغيب وثقافة الغيبوبة، على الجمهورية الفاضلة. على الأقل جمهورية خالية من الزواحف البشرية، ومن الذئاب البشرية.

لاحظتم، والبلد يحترق، والناس تحترق، وهم يتصارعون على نوعية الحقائب، على عدد الحقائب. كوميديا سوداء. متى يسدل الستار؟

ذات يوم، سأل محمد أركون «هذه مجتمعات الأنبياء أم مجتمعات شيوخ القبائل؟». يا صاحبي، حتى شيوخ القبائل في منطقتنا ينزلون من السماء...

حكومة بأدمغة، وبأدمغة عرجاء. نقول للرئيس حسان دياب، هذه حكومة الكأس المرة. كن رجل الجمهورية الثالثة!!