البلاد تشتعل والتفلت الامني يزداد سوءا والمسؤولون غارقون في تقاسم الحصص والمغانم، ولم يبد اي واحد منهم عن حس وطني لتشكيل حكومة للقيام بأقل الممكن في هذه الفترة العصيبة. كل يوم يمضي دون حكومة كخطوة اولى في مسار انقاذ لبنان هو يوم مأساوي يسجل في تاريخ هذا الوطن ووصمة عار على جبين كل المشاركين في تأليف الحكومة. يحولون لبنان الى غزة 2 بهذه المقاربة السياسية الرجعية والمحدودة في التعاطي مع الشأن العام ومؤسسات الدولة وتراجع الاقتصاد. لا بنى تحتية جيدة بل سيئة، اقتصاد رديء، فقر وتعتير وجوع عند الناس، فساد مستشري في الدولة ومسؤولون فاسدون وحصار على المواطنين بسبب الظلم الاسرائيلي بادخال المواد الغذائية بالقطارة من السلع والطعام، الا ان المفارقة بين غزة ولبنان ان الكيان الصهيوني هو من يفرض الحصار على اهالي غزة ويجعلهم يعيشون حياة حقيرة لا تشبه اي حياة في اي بلد ما ويجعلهم يعانون الامرين على ارضهم.

اما في لبنان، فللاسف هناك مسؤولون يجرون البلد الى مستوى معيشي متدهور عن سابق تصور وتصميم فلم يكتفوا بتجويع الناس وافقارهم وذلهم ها هم اليوم يدعون العصي في تشكيل حكومة عادلة تعالج الوضع الاقتصادي بل هدفهم الاستحواذ على اكثرية وزارية للاستئثار في الحكم وادارة البلاد كما يشاؤون.

وفي الوقت ذاته، الثوار بالغوا باندفاعتهم في اساليب الضغط على القوى الامنية، فانزلقوا الى التخريب والتكسير وتحويل العاصمة بيروت الى عاصمة خراب، وهذه الاعمال لم تصل الى النتيجة المرجوة منه وهو تحقيق مطالبهم.

ايها الثوار لا تقعوا في الفخ التي نصبه السياسيون الفاسدون واللصوص المتغلغلين في الدولة، فتقوموا باعمال تؤذي الوطن واقتصاده المرهق والمذري، هم يريدونها، فتكونوا قد حققتم امنياتهم لهؤلاء المسؤولين الفاسدين. الخراب واعمال الشغب التي حصلت في اليومين الاخيرين يشوه الثورة ولا يعكس صورتها الحقيقية، لا بل يحرف مسارها عن المطالب الاجتماعية والمعيشية. والحال ان التعدي على الاملاك الخاصة والخلع والكسر لمحال تجارية ومصارف في وسط بيروت او الحمراء فذلك يشكل تهديدا خطيرا على هوية الثورة التي ندعم سلميتها وننبذ عنفها.

اعمال الشغب والتخريب تزيد الطين بلة وتؤذي الاقتصاد الذي يطاول المواطن اولا والفقير خاصة وليس اصحاب الاموال الطائلة واكثريتهم من الطبقة السياسية الفاسدة. فايها الثائر لا تهدم عاصمتك بيروت ولا تحرقها ولا تنفذ اعمال بشعة تخدم السلطة الفاسدة. ان ثورة 17 تشرين هدفها بناء الدولة وتطهيرها من الفاسدين، وبمعنى اخر، طرد الفاسدين واسقاط السلطة المهترئة، ولكن ليس اسقاط الدولة فما من عاقل يقود ثورة هدفها اسقاط الدولة. ولذلك اليوم باتت المسؤولية تترتب على الثائر وعلى هؤلاء السياسيين الذين فقدنا الامل منهم، ولكن مجبرين على التعامل معهم لوجودهم في السلطة.

اليوم ندخل بداية اسبوع جديد ولا حكومة بعد، رغم خطورة الاوضاع المالية والنقدية والاجتماعية. فهل يا ترى هؤلاء السياسيين ينتظرون انهيار لبنان كي ينقضوا على المؤسسات التي بقيت الى حد ما بعيدة عن نفوذهم على غرار مصرف لبنان واجهزة امنية وسياسات تغير الاقتصاد فيصبح موجهً؟ وهل يا ترى يريد هؤلاء المسؤولون ان يناوروا ويتشبثوا بوزارات كانها املاك تابعة لهم ويعرقلون تشكيل حكومات الى ان تصبح الصيغة الحكومية تتماشى كاملة مع تطلعاتهم وخروج معظم القوى السياسية سواء من اللون الواحد او من الاتجاهات السياسية المناهضة لهم؟

من جهة اخرى، ما فعله الثوار في اليومين الماضيين اساء الى الثورة والى المطالب المعيشية والاقتصادية لان الممارسات التي اقتبسها بعض عناصر المحتجين ترتد عليهم سلبا وعلى باقي الانتفاضة الشعبية. ذلك ان من يدمر عاصمته لا يمكن ان يكون مخول لبناء مستقبل افضل للوطن. نحن على يقين ان الناس غاضبين من السلطة ومن شهوتها للنفوذ والتي لا تسمع اصوات الناس الموجوعة والفقيرة والجائعة، ولذلك نطالب الثوار ان لا يقوموا باعمال يكون لها تداعيات موجعة عليكم، فما حصل في اليومين السابقين كمن يطلق الرصاص على رجله.

نقول هذا الكلام وبكل صدق ومحبة للثوار الذين هم امل لبنان، ان امامهم فرصة ذهبية للتغيير وتكون بتظاهرات واحتجاجات ضاغطة على المسؤولين الذين يمنعون تشكيل الحكومة التي هي اول خطوة لعودة الاستقرار السياسي وبداية للتهدئة والبدء بالعمل. اليوم بات على الثوار التوجه الى بيوت المسؤولين الذين يعرقلون وينظّرون علينا بالمبادئ الوطنية، في حين لا نرى افعالهم تترجم على ارض الواقع.

بيد ان كلام البطريرك الراعي الموجه الى المعرقلين لتأليف الحكومة ووصفهم باعداء الوط يدل فعلا ان الحرقة كبيرة على لبنان وغضب كبير على مسؤولين باعوا ضمائرهم واصبحوا اسرى لجنونهم ولانانيتهم.