يحتلّ الشق المصرفي والمالي الحيزّ الأكبر في المساحة الإعلامية على حساب الشق الإجتماعي والذي يفوق بكل أبعاده أي شقّ أخر سواء كان مالياً، نقدياً، إقتصادياً أو حتى سياسياً. فالشق الإجتماعي المُتمثّل بالأمن الغذائي، الحاجات الفيسيولوجية، الفقر... هو من أكثر المخاطر التي تلوح في الآفق وتُهدّد الكيان اللبناني برمّته مع ما له من تداعيات على الصعيد الأمني.

الفقر هو الآفة الأكثر خطورة على هيكلية المجتمع من ناحية أن تغلغله في المجتمع يفرض عقوداً من الزمن لمحو تداعياته. وهذا الأمر دفع بالأمم المُتحدة إلى وضع هدف «القضاء على الفقر» على رأس لائحة أهداف التنّمية المُستدامة السبعة عشر للعام 2030. أيضًا هذا ما دفع البنك الدولي إلى وضع هدفين أساسيين له في تنفيذ مهمّته: إنهاء الفقر المدقع وتعزيز الرخاء المشترك.

وقد أظهرت التجربة الألمانية بإعادة توحيد الألمانيتين في أوائل تسعينات القرن الماضي أهمّية التعاضد في المجتمعات وضرورة وجود سياسات مالية (الحكومة) تهدف إلى تحقيق عدالة إقتصادية وإجتماعية في المجتمعات صونًا لهذه الأخيرة ومنعًا لتفكّكها.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي نصّ على ثلاثة أنواع من الفقر:

الأوّل - «الفقر المدقع»: يعتبر الشخص في حالة فقر مُدّقع إذا لم يكن لديه الدخل اللازم لتلبية احتياجاته الغذائية الأساسية والتي تُعرّف عادة على أساس الاحتياجات من السعرات الحرارية الدنيا!

الثاني - «الفقر العام»: يعتبر الشخص في حالة الفقر العام إذا لم يكن لديه ما يكفي من الدخل لتلبية إحتياجاته الأساسية غير الغذائية مثل الملابس والطاقة والسكن.

الثالث - «الفقر البشري»: ويشّمل غياب قدرات الإنسان الأساسية مثل الأمّية، سوء التغذية، إنخفاض طول العمر، سوء صحة الأمهات، الأمراض التي يمكن الوقاية منها...

عوامل عديدة تُساهم في زيادة الفقر وعلى رأسها غياب السياسات الإقتصادية للحكومات والتي تزيد من البطالة والإحتكار وغياب الرقابة وغيرها وبالتالي تؤدّي حكمًا إلى غياب التوزيع العادل للثروات والعدالة الإجتماعية.

وأتى التطوّر الأخير المُتمثّل بإرتفاع الأسعار الناتج عن إرتفاع سعر الدولار لدى الصيارفة وغياب الرقابة الفعّالة على التجّار، والحظر الدوّلي غير المُعلن على لبنان ليزيد من نسبة الفقر في لبنان المُترفعة أصلا والتي كانت تُناهز الـ 31.52% قبل بدء الأزمة الحالية!

فإرتفاع الأسعار وزيادة البطالة (البحتّة أو المُقنّعة) أدّيا إلى إرتفاع نسبة الفقر إلى مستويات عالية يصعب تحديدها بغياب إحصاءات دقيقة. إلا أن إحتساب إرتفاع الأسعار كفيل بإعطاء فكرة عن حجم هذا الإرتفاع حيث أن الأرقام التاريخة تُشير إلى أن إرتفاعاً مزمناً بالأسعار (مُمتدّ على أكثر من ستّة أشهر) بنسبة 1% وبغياب أي إجراءات حكومية لتحفيز الإقتصاد، يزيد الفقر بقيمة 200 ألف شخص إضافي. هذا الرقم يوحي أن عدد الفقراء إزداد كثيرًا من مبدأ أن الأسعار إرتفعت 30% منذ ما لا يقلّ عن شهر، إلا القسم الأكبر من الطبقة الإجتماعية الموجودة في أسفل الطبقة المُتوسطّة، يستنفد مُدّخراته المالية (سواء كانت في المصارف أو خارجها) وهو ما فرّمل إرتفاع عدد الفقراء وجعل عددهم الإجمالي بحسب تقديراتنا بحدود الـ 300 ألف منذ أيلول الماضي وحتى الساعة. وبما أن المدّخرات محدودة بالمطلق، لذا نتوقّع أن يرتفع عدد الفقراء بنسبة كبيرة في الأشهر القادمة إن لم يتمّ القيام بإجراءات مُحدّدة تلجم هذه الظاهرة.

لكن الأصعب في الأمر هو أن هيكلية الطبقة الفقيرة تعدّلت لتتركّز، بقسم لا يُستهان به، في خانة الفقر المدّقع! وهذا الأمر يُبرّر إلى حدّ معيّن زيادة الإحتجاجات الشعبية خصوصًا من سكّان الأطراف نظرًا إلى أن هيكلية الفقر مطبوعة على جغرافيا لبنان.

عمليًا الحكومة العتيدة المتوقّع تشكيلها في الأيام القادمة نظرًا إلى الضغط الكبير الذي مارسته بعض القوى السياسية بهدف تسريع التشكيل، ستواجه تحدّي الفقر وسيكون من الصعب عليها مواجهة هذه المُشكلة نظرًا إلى عدم وجود هامش في المالية العامّة يسمح لهذه الحكومة بالقيام بإجراءات مباشرة تجاه الفقراء!

من هنا نرى أن التأخير في تشكيل الحكومة خلال الأشهر الماضية يتحمّل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع المعيشية والتي ستأخذ منحى تصاعدياً في الأسابيع والأشهر القادمة مما سيكون من الصعب بعدها السيطرة على الأمن. لذا من الضروري أن يتمّ تشكيل الحكومة في أسرع وقت مُمكن بهدف القيام بإجراءات تسمح بتخفيف وطأة هذه الأزمة:

أوّلا - تحفير الزراعة والصناعة للمنتوجات الغذائية من خلال خفض الضرائب والرسوم لكل المزارعين والشركات التي ترغب بإنتاج منتوجات غذائية؛

ثانيًا - القيام بالإصلاحات الضرورية المنصوص عليها في مؤتمر سيدر، خطة ماكنزي، وورقة بعبدا المالية الإقتصادية وذلك بهدف إعادة الدورة الإقتصادية إلى مجراها التصاعدي الطبيعي؛

ثالثًا - وكنتيجة للبدء بتطبيق الإصلاحات، الإسراع في تحرير أموال مؤتمر سيدر بهدف خلق وظائف للبنانيين تؤمّن لهم مدخولاً يسمح لهم بالعيش الكريم؛

رابعًا - البدء بالسيطرة على مالية الدولة وذلك بهدف تخفيف العبء عن المواطن (من خلال تخفيف الضرائب) وإمتلاك القدرة المالية لتقديم خدمات إجتماعية تسمح بالقضاء على الفقر المُدّقع؛

يبقى القول أن التخبّط السياسي الذي يعيشه لبنان والناتج عن مبدأ المحاصصة الطائفية والحزبية، يمّنع أي إنماء للمجتمع اللبناني، لا بل على العكس يؤدّي إلى تراجع هذا المجتمع وزيادة نسبة الفقر فيه. من هذا المُنطلق، نرى ضرورة التخلّي عن هذه المحاصصات في هذه المرحلة الحرجة في تاريخ لبنان لأنه لن يكون هناك من قدرة على السيطرة على الشارع في الأشهر القادمة في حال إستمر الوضع على ما هو عليه.