المصارف تعيش هذه الايام اسوأ ايامها: ردود فعل قاسية ضد فروعها خصوصاً في منطقة الحمراء من قبل بعض المجموعات «الثورية» اعتبرها البعض انها تسيء الى الثورة والحراك والانتفاضة، والتي ادت الى تحطيم واجهات المصارف فيها واجهزة الصراف الالي التي نالت الحصة الاكبر من التحطيم مما يدل على مدى الحقد الذي وصل اليه هذا الانسان في تعاطيه مع القطاع المصرفي.

وهذه ردود الفعل اتت بفعل التدابير الاستثنانئية التي اتخذتها المصارف تحسباً وتخوفاً من «هلع» المودعين واضطرارهم الى سحب ودائعهم مما يؤثر على اوضاع المصارف رغم ان الودائع بلغت قبل 17 تشرين الاول الماضي حوالى 180 مليار دولار ليست موجودة كلها في المصارف أو في مصرف لبنان، بينما كانت قاسية على المودعين الذين باتوا ينتظرون طويلاً للحصول على «فتات» اموالهم بطريقة مذلة وغير مقبولة.

هذه «الهجمة» من قبل المودعين لم تعرفها المصارف ابداً لذلك اتهمت بانها تكيل بمكيالين من جهة تتساهل مع مودعين، مع كبار المودعين، وتتشدد مع مودعين، ومع صغار المودعين الذين يشكلون اكثر من 85 في المئة من مجموع الودائع من هذه المصارف. وهذا ما ادى الى فقدان الثقة بينها وبين المودعين والمواطنين، وهذه الثقة تحتاج الى فترة زمنية لاعادتها.

صحيح ان المصارف هي جزء من المشكلة او الازمة التي نعيشها ولكن اساس هذه المشكلة هي «دلع» السياسيين واستهتارهم بالناس والمواطنين والاستنزاف الذي تعرضت له الليرة اللبنانية من جراء هذا الدلع ان بالنسبة لسنتين ونصف السنة من الفراغ الرئاسي، الى استقالة الرئيس سعد الحريري عام 2017 الى المخاض العسير لولادة حكومة الرئيس تمام سلام...كل ذلك ادى الى مصاعب حاول حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تجنبها عبر هندسات مالية وتعاميم، مع العلم انه كان يضع المسؤولين في الاجواء المالية والنقدية التي يمر بها البلد، وما تعرضت له فروع المصارف في الحمراء خلال الاسبوع الماضي ما هو الا توجيه رسالة له بانه احد مسببي الازمة النقدية والمصرفية اليوم.

واليوم ينتظر القطاع المصرفي تعاميم مصرف لبنان الذي «تركلج» كيفية التعامل بين المصارف والمودعين من خلال تطبيق معايير موحدة للسحب والتحاويل وغيرها من الاعمال المصرفية التي تعرضت لاستمزاج المصارف في المدة الاخيرة.

اضافة الى ذلك، فان المصارف مدعوة اليوم الى زيادة رأسمالها، وقد بدأت تستعد لذلك من خلال دعوة جمعيات عمومية لاقرار هذه الزيادة وان كانت بعض المصارف لم تتمكن حتى الساعة من تأمين زيادة الـ10 في المئة في نهاية السنة وتأمين 10 في المئة حتى نهاية حزيران المقبل وان كانت مصادر مصرفية اكدت ان القطاع المصرفي سيتمكن من تطبيق تعميم مصرف لبنان بزيادة رأسمال المصارف، وقد كان بنك بيبلوس البادئ في زيادة رأسماله حتى بنك الاعتماد اللبناني ومن ليس قادراً فهو منصرف الى طلب الزيادة من مساهميه اولاً وبيع ما قدر له من فروع له خارجية. بحيث يتأمن حوالى 4 مليارات دولار.

اضافة الى ذلك، فان المصارف مدعوة اليوم الى اعادة دراسة الحسابات المفتوحة لديها والعائدة لشخصيات لها علاقة بالسياسيين والموظفين، حسبما طلب حاكم مصرف لبنان من خلال هيئة التحقيق بمكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب وتحديد مصدر الاموال المودعة فيها او الاموال المسربة الى الخارج في ظل دخول القضاء على هذا المسار ايضاً.

كما ان المصارف او بعضها او من خلال موظفيها متهمة بتعاون نقدي مع قطاع الصيارفة والذي ادى الى ارتفاع سعر الدولار الاميركي في الاسواق المالية وشحه فيه.

وابلغ دليل على ما يعانيه القطاع المصرفي ما قاله نائب رئيس جمعية المصارف نديم القصار الذي قال «يحملوننا مسؤولية كل فشلهم» وبالتالي فان المصارف غير مسؤولة عن غياب الحكومة ولا عن الفساد والهدر، ولكن بما ان المسؤولين لا ينوون القيام بأي مبادرة للخروج من الازمة، يحاولون توجيه الانظار الى المصارف وكأنها المسؤولة عن كل ما حصل، معلناً ان المصارف موجودة في خدمة عملائها ضمن الامكانات المتوفرة في هذه الظروف الصعبة، فيما الحكومة والمسؤولون لا يحركون ساكناً، بل يكتفون بوضع المصارف في واجهة الاتهام واضاف: لقد زرنا المسؤولين الثلاثة وطلبنا منهم اعطاءنا التوجيهات اللازمة واصدار القوانين التي تساعد في تمرير هذه المرحلة الصعبة، لكنهم تهربوا من المسؤولية ولم يقوموا بشيء.

اما رئيس جمعية مصارف لبنان سليم صفير فاكد ان المصارف تقوم بما تقوم به هو للابقاء على ثروة لبنان داخل لبنان والا فستتبخر وسيكون لبنان بلا سيولة ولا عملة اجنبية يحتاجها لشراء السلع الضرورية وما يحدث الان ليس ضد الشعب، اموالهم آمنة.

والسؤال الذي يتم طرحه اليوم هل فقد لبنان مركزه المالي في الشرق الاوسط وهل ستغيب المصارف عن لعب هذا الدور لمصلحة دول اخرى علماً انه كان العامود الاساسي للاقتصاد الوطني والممول الرئيسي للقطاعين العام والخاص حتى ان مصادر مصرفية اسفت لما وصل اليه القطاع على الرغم مما فعله خلال السنوات الماضية من خدمات مصرفية واقتصادية واجتماعية وثقافية وحتى انسانية وانه لا يمكن ان يتعامل بهذا الرشق من الاتهامات التي طالته ومن حملات التجني والتكسير والاعتداءات على فروع القطاع المصرفي.

الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور فريدي باز اعتبر ان لبنان سيتعين عليه طلب مساعدة مالية دولية لا مفر منها اكان من صندوق النقد الدولي او من مجموعة اصدقاء لبنان او من مجلس التعاون الخليجي وغيرها والمتطلبات ستكون هي نفسها تقريباً.

لكن ما تواجهه المصارف هو كيفية مساهمة القطاع المصرفي في تخفيض العجز وتراكم الدين العام.