وسنبقى نبذل الجهود لتشكيل الحكومة... ونتوقع مُؤشرات إيجابيّة قريباً مع بدء أعمال التنقيب

السفير البابوي : المجتمع الدولي يُشدّد على الحوار بين المسؤولين والذين يُطالبون بالتغيير دون أقصاء أحد

اكد رئيس الجمهورية في كلمة له أمام اعضاء السلك الديبلوماسي ومديري المنظمات الدولية في قصر بعبدا أن «عوامل عدة تضافرت، منها ما هو خارجي ومنها ما هو داخلي، لتنتج أسوأ أزمة اقتصادية ومالية واجتماعية ضربت لبنان، خارجياً كان للأزمات الاقتصادية في العالم انعكاس سيئ على اقتصادنا، أضيفت اليها حروب الجوار التي حاصرت لبنان وأغلقت بوجهه مدّه الحيوي وأسواق التصدير ولما تزل، ما أثر بشكل كبير على القطاع التجاري والصناعي والزراعي فيه، كما أفرزت أثقل أزمة على اقتصاده المنهك اصلاً وأعني أزمة النزوح التي أدخلت اليه ما يقارب نصف عدد سكانه الأصليين. وليكتمل المشهد جاء الحصار المالي الذي حدّ من انسياب الأموال من الخارج، وتسبب بأذى كبير للاقتصاد اللبناني وللسوق المالية»، ومشددا على «ان لبنان يدفع ثمن تراكم ثلاثين عاماً من سياسات اقتصادية ومالية خاطئة اعتمدت على الاقتصاد الريعي والاستدانة، على حساب الانتاج خصوصاً في ميدان الصناعة والزراعة، اضافة الى فساد وهدر في الادارة على مدى عقود.

اضاف: «نعم، بذلتُ جهوداً كبيرة للمعالجات الاقتصادية ولكنها لم تأتِ بكل النتائج المأمولة لأن الوضع كان سيئاً والعراقيل كثيرة. وقد أدّى الضغط الاقتصادي المتزايد الى نزول الناس الى الشارع بمطالب معيشية محقة وبمطلب جامع لكل اللبنانيين وهو محاربة الفساد»، ولفت الى «ان التظاهرات شكلت خصوصا في بداياتها، فرصة حقيقية لتحقيق الاصلاح المنشود لأنها هزّت المحميات الطائفية والسياسية وقطعت الخطوط الحمر وباتت المحاسبة ممكنة، وأعطت دفعا قويا للقضاء فتحرك في اكثر من اتجاه، وأقرت الحكومة السابقة ورقة اصلاحات كان يستحيل اقرارها في السابق».

وتابع: «ولكن محاولات استغلال بعض القوى السياسية للتحركات الشعبية أدّت الى تشتّت بعضها وإغراقها في راديكالية رافضة، كذلك نمط الشائعات المعتمَد من بعض الإعلام وبعض المتظاهرين، حرّف بعض الحراك عن تحديد مكامن الفساد الحقيقي وصانعيه بصورة صحيحة، ولا زلت أعوّل على اللبنانيين الطيبين في الشوارع والمنازل لمحاربة الفساد».

واكد الرئيس عون ان الجيش والقوى الامنية تعاملوا بحكمة كبيرة مع هذه الحركة الشعبية، فأمّنوا أمن التظاهرين وسلامتهم، وحفظوا حريتهم في التعبير، كما سعوا للمحافظة ايضاً على حرية المواطنين وحقهم في التنقل والذهاب الى أعمالهم ومنازلهم. لكن هذا الوضع فاقم الأزمة الاقتصادية كما انعكس سلباً على الوضع الأمني، وقد أدى الى ارتفاع معدل الجريمة بجميع أنواعها بعد أن كنّا حققنا تقدّما لافتاً في خفضه في العامين المنصرمين.

اضافت: «لقد كانت ولادة الحكومة منتظرة خلال الاسبوع الماضي، ولكن بعض العراقيل حال دون ذلك. وعلى الرغم من اننا لا نملك ترف التأخير، فإن تشكيل هذه الحكومة يتطلّب اختيار أشخاص جديرين يستحقون ثقة الناس والمجلس النيابي مما تطلب بعض الوقت»، واضاف: «سنبقى نبذل كل الجهود الممكنة للتوصل الى الحكومة الموعودة، مقدّمين المصلحة الوطنية العليا على أي اعتبار آخر».

وقال الرئيس عون «إضافة الى كل الصعوبات الحالية، لا تزال أزمة النازحين تضغط بكل ثقلها على جميع الصعد في وقت لم يتحمّل المجتمع الدولي فعلياً مسؤولياته، لا في دعم العودة، ولا في دعم لبنان للتخفيف من تأثير هذا النزوح، فقدم بعض المساعدات للنازحين لم ينل لبنان منها الا القليل، مع كلام الإطراء للدور الانساني الذي يقوم به، وكلامٍ سياسي عن ربط العودة بالتوصل الى حل سياسي»، اضاف: «لقد تفهمنا اسباب النزوح وقدّمنا كل ما يمكن من تعاون ومساعدة طوال سنوات، ولكننا اليوم لا نفهم المواقف الضاغطة لعرقلة العودة، ويحق لنا أن نرسم علامات استفهام كبرى تجاه هذه اللامبالاة الدولية، خصوصاً بعدما حملت معي هذه الأزمة الى جميع المنابر الدولية والعربية، شارحاً كل الأعباء والتداعيات المترتبة عنها على لبنان. ووسط كل هذه الأجواء الضاغطة، ثمة مؤشرات إيجابية نتوقعها في الآتي من الأيام مع بدء لبنان أعمال التنقيب عن ثرواته الطبيعية في مياهه الاقليمية، وهنا نجدد التأكيد على تمسكنا بحقنا باستثمار كافة حقولنا النفطية، ورفضنا لأي محاولة إسرائيلية للاعتداء عليها، وتشديدنا على ضرورة تثبيت الحدود البرية وترسيم البحرية، لما للأمر من فائدة على الاستقرار والهدوء، تأميناً لحقوق لبنان وللمناخ الاستثماري اللازم».

وتابع: «على الرغم من أن العام 2019 انتهى بأزمة كبيرة، إلا أنه شهد محطات دولية مهمة للبنان، أولها تكريس وطننا مساحة تلاقٍ وحوار بين الحضارات والديانات والثقافات، من خلال تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على إنشاء «اكاديمية الانسان للتلاقي والحوار» على أرضنا. فمع كل الغليان حولنا يتأكد أكثر فأكثر ان الانفتاح والحوار والتعرف الى الآخر، هي أسس بناء السلام والاستقرار ومواجهة أفكار التطرف والعزلة والانغلاق. وتأتي أيضاً استضافة لبنان للمقرّ الاقليمي للمنظمة الدولية للفرنكوفونية في الشرق الأوسط، والذي نصبو إلى افتتاحه في بيروت بالتنسيق مع المنظمة، والبدء بعمله خلال العام الحالي، للتأكيد على دور لبنان في محيطه والعالم».

واكد «ان قدر لبنان ورسالته أن يكون أرض سلام وحوار وتسامح، ولذلك وجب الحفاظ على الاستقرار والتعايش فيه، من هنا تمسّكنا بالقرار 1701 وبالقرارات الدولية والشرعية الدولية القائمة على العدالة والحق بتأمين استعادة حقوقنا وأرضنا ومنع التوطين في لبنان، وكذلك تمسّكنا بمبدأ تحييد لبنان عن مشاكل المنطقة وإبعاده عن محاورها لإبعاد نيرانها عنه من دون التفريط بقوة لبنان وحقه في المقاومة وقيام استراتيجية دفاعية تعزّز هذه الفرصة بالتفاهم بين كل اللبنانيين».

وختم: «إن لبنان يحيي هذا العام الذكرى المئوية الاولى لإعلان «دولة لبنان الكبير»، واني لواثق ان هذه المئوية ستشكل فرصة ملائمة، وسط جميع عوامل القلق وضبابية الرؤية، لإعادة اكتشاف دور لبنان ومكانته، واكثر: فرصة ملائمة لتجديد الالتزام من قبل جميع اللبنانيين بتحدي بناء وطن يليق بالإنسان وكرامته، ويرتقي الى ما منحه الله من عطية لأرضنا كي تكون رسالة، تتحقق بالفكر والعمل وارادة أبناء هذا الوطن».

} سسبيتيري: نأمل ان يؤدي

الحوار الى تشكيل سريع للحكومة }

من جهته، شدد عميد السلك الديبلوماسي السفير البابوي المونسنيور جوزف سبيتيري، على اهمية الحوار وخصائصه التي تحترم الآخر ورأيه ولا تقصي احداً من المعارضين او الموالين او غير الراغبين بأخذ اي طرف. وشدد على ان «آفة الفساد، التي لطالما لقيت شجبًا من فخامتكم، تعرقل عمل الدولة في خدمة جميع مواطنيها بشكل فعّال».

وتابع: «في المقابل، يعتري غالبية اللبنانيين انزعاجا عميقا بسبب ظاهرة مضادة في المجتمع اللبناني تتمثل بآفة الفساد، التي لطالما لقيت شجبا من فخامتكم. للأسف، إن هذه الظاهرة المضادة تعرقل عمل الدولة في خدمة جميع مواطنيها بشكل فعال. إن الفساد يعيق الحكومة في تأمين تعليم جيد، وعناية طبية، وضمان اجتماعي، ومياه وكهرباء.إن هذه الآفة تحد من الحماية ومن الضمانات التي تؤمنها سيادة القانون. لذا، ذهلنا بالدعوة الصادقة إلى التجديد القائم على الأخلاقيات في البلد، التي أطلقها الشباب خلال الأشهر الثلاثة الماضية، حيث عمت الاحتجاجات جميع الربوع اللبنانية. إن الشباب، مصحوبين من الأجيال السابقة، ومدفوعين من روح تضامن عميق، اجتمعوا حول العلم اللبناني، مطالبين بالاحترام لحقوقهم الثابتة. لقد طالبوا أيضا باصلاحات سياسية، واجتماعية، واقتصادية. فهم ضد الفساد، وهم يطالبون بغد أفضل، وإنهم لمستحقونه».

ورأى ان «الفساد يبيد التضامن. فهو يسمم قلوبنا وأفكارنا وأعمالنا ويعمينا، فلا نعود نعتبر الآخرين مساوين لنا في الكرامة. إنه يحملنا على الاعتقاد بأن الآخرين هم مجرد أشياء متوفرة لنا، بإمكاننا التصرف بها ورميها حين نريد. إن الفساد يعيق الحوار الحقيقي والمشاركة الفعالة للكفاءات. إن الحوار والمشاركة، عمليا، يشكلان جوانب أساسية للتضامن. وبالتالي، يمكننا اعتبار التضامن ترياقا للفساد. فالحوار مستحيل إذا لم نعتبر بعضنا البعض متساوين. هذا الحدس الأساسي يكمن في عمق مبادرة فخامتكم في إنشاء «أكاديمية اللقاء والحوار»، التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 أيلول 2019. نرجو فخامتكم قبول أصدق تهانينا، وأفضل تمنياتنا لتنفيذ سريع لهذا المشروع الخير في خدمة الأخوة الإنسانية في لبنان وفي العالم كله».

وقال السفير البابوي ان «الحوار مستحيل إذا لم نعتبر بعضنا البعض متساوين. هذا الحدس الأساسيّ يكمن في عمق مبادرة فخامتكم في إنشاء «أكاديميّة اللقاء والحوار»، التي أقرّتها الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة في 16 أيلول 2019. نرجو فخامتكم قبول أصدق تهانينا، وأفضل تمنيّاتنا لتنفيذ سريع لهذا المشروع الخيّر في خدمة الأخوّة الإنسانيّة في لبنان وفي العالم كلّه».

ولفت الى ان «المجتمع الدوليّ، الممثّل هنا برؤساء البعثات الدبلوماسيّة ومسؤولي المنظّمات الدوليّة، لا زال يشدّد على ضرورة حوار صادق قائم على الإحترام بين القادة السياسيّين انفسهم، كما بينهم وبين اولئك الّذين يطالبون بالتغيير الحقيقيّ.» وامل «أن يؤدي الحوار إلى تشكيلٍ سريعٍ لحكومةٍ يُكتبُ لها الحياة، لكي تقرّ الإصلاحات الطارئة والضروريّة وتوضع حيّز التنفيذ، ولكي تُستعاد الثقة لدى جميع اللبنانيّين ولدى جميع أصدقاء لبنان».