الشيخ سعد عاد. كان يفترض أن نستقبله بأقواس النصر!

ثمة من ذكّره بأنه رئيس حكومة تصريف الأعمال، وبأن خطة رفاق الدرب عدم السماح لذلك الكائن الغريب الذي يدعى حسان دياب، وقد هبط من كوكب آخر، بالدخول الى السراي ولو على حصان خشبي.

هذا هو رهانهم. الدوران حوله، واللعب بأعصابه، الى أن ييأس ويعيد اليهم التكليف (كما لو أن التكليف هنا ليس اكليل الشوك)، ويغادر...

كنا نأمل في أن نودع هؤلاء بأقواس النصر، لكننا القصاصات البشرية المبعثرة في كل الاتجاهات. ها قد عدنا الى قطع الطرقات. لم ندرك، حتى الآن، أن هذه ثقافة قطاع الطرق لا ثقافة أهل التغيير. تقطيع الأوصال بين المناطق تقطيع لأوصال الانتفاضة. حتى سندويتشات الشاورما باتت مبرمجة في الشوارع، كذلك الشعائر والشعارات.

أخذنا علماً بأن أولياء أمرنا يضحكون علينا. ينتظرون موتنا (موتنا الآخر) على الأرصفة، وأمام المصارف، وحتى أمام الدكاكين، لكي يعيدوا سعد الحريري الى كرسي الصدر الأعظم...

أطرف ما تناهى الينا قول نائب دماغه لا يكاد يختلف عن دماغ الذبابة «اذا ذهبنا من الباب دخل داعش من الشباك». تماماً على طريقة مايك بومبيو «اذا غادرنا المنطقة، البديل تنظيم الدولة الاسلامية»!

كما لو أن سعادة النائب هو من ارتدى الثياب المرقطة وذهب يقاتل المغول الجدد في سفوح السلسلة الشرقية. الكثيرون من زملائه كانوا يذهبون، احتفالياً ومعهم أطباق الحلوى، الى عرسال لا لانقاذ أهلها من الغزو الهمجي، وانما لمد اليد لقتلة جنودنا، ولمن كانوا يخططون لتحويل الجمهورية الى ولاية لمولانا الخليفة.

قدرنا في هذه المنطقة. لا مكان الا لأنصاف الآلهة والا لأنصاف البشر. هكذا تتعامل معنا الولايات المتحدة، وهكذا يتعامل معنا سائر الآخرين.

اذاً، ما علينا سوى أن ننزل الى الشارع، ونهللل لعودة سعد الحريري الذي، مثل صحبه، لا حلّ الا به، ولا بقاء للبنان وللبنانيين الا به، وبأركان ذلك الكونسورتيوم الذي يطبق على أرواحنا. لم يتعاملوا معنا على أننا الدمى بل على أننا الموتى.

دول ميتة، مجتمعات ميتة. في العراق الذي مثلنا، لا دولة، ولا حكومة. اذا ارتحل الأميركيون عاد «داعش» الى الموصل، ربما الى بغداد والبصرة. أيها الأكراد، وأيها السنّة، وأيها الشيعة، أين انتم؟ لا صوت الا لمن كان ولاؤه للآخر. من منكم ولاؤه للعراق؟

من العراق الى ليبيا. من أطفأ عيون بهية؟ أين مصر، أم الدنيا، وأين الجزائر، أم الثورات، لكي تتركا الليبيين يمارسون الهواية القبلية اياها، القتل للقتل (ودائماً لحساب الآخرين) ؟ السلطان العثماني ذهب الى هناك. أثار الهلع في مصر وفي الجزائر. وحده رجب طيب اردوغان يعرف كيف يلعب بالتاريخ، وبالجغرافيا. العرب (العاربة والمستعربة) في الخزانة الأميركية.

الرئيس التركي الذي يشتري الـ «اس. اس ـ 400»، ويهدد بالاستيلاء على القنابل النووية في قاعدة انجرليك، قال «حلفاؤنا الأميركيون وجيراننا الايرانيون». تدركون ما الفارق بين الحالتين. أين الروس، في هذه الحال، أيها الباب العالي؟!

تلك الأنظمة التي تمكنت من تكريس ثقافة البداوة حتى في لاوعينا. لا مجتعات بل كثبان بشرية وتذروها الرياح. السفير الفرنسي السابق رينيه آلا قال «لبنان ينتج اللبنانيين»، كمثال للابداع والتميز. لبنان، بكل مظاهر الحداثة، ومن رينيه ديكارت واندريه مالرو الى ايف سان لوران ونينا ريتشي. أي ثقافة سياسية هنا؟ ثقافة البداوة.

منذ البداية قلنا لا دولة (هل هذه دولة؟)، ولا ثورة (هل هذه ثورة؟). لا سبيل أمامنا سوى أن نقيم اقواس النصر للشيخ سعد ولسائر شيوخنا الأجلاّء. جزاكم الله خيراً...