على وقع عودة الحراك الشعبي بقوة الى الشوارع وقطع الطرقات من جديد، لان الوضع لم يعد مقبولاً والجوع طرق ابواب اغلبية اللبنانيّين، تستمر معاناة العملة الوطنية التي وصلت الى ادنى مستوياتها، فيما الدولار يواصل تحليقه بسرعة قصوى، يقابله غلاء الاسعار بشكل جنوني، والمزيد من إقفال المؤسسات التجارية والفندقية العريقة، وتفاقم اعداد الموظفين المصروفين حتى الذين يتقاضون نصف راتب وفي بعض الشركات ربع راتب، مع تلقيّ ما تبقى من موظفين تحذيرات يومية من ارباب عملهم، بأن الاقفال بات قريباً جداً، ولن نستمر سوى شهرين على ابعد تقدير.

في المقابل لا شيء ايجابياً على الخط الحكومي، والتناحر سيّد الموقف بين الاطراف السياسيّة، اذ ما زالوا يتقاتلون على جنس الملائكة، والبلد في قلب الانهيار المالي، وبعض المواطنين يفترشون الطرقات، واكبر دليل على ذلك ما شهدناه منذ ايام قليلة في معرض رشيد كرامي في طرابلس، من إفتراش الارض لعدد من الفقراء بسبب عدم استطاعتهم دفع بدل السكن . وكل هذا يعني بأن البلد يئن على كل الاصعدة، والانتفاضة الشعبية التي كانت قائمة معنوياً منذ سنوات ، اصبحت فعلية منذ 17 تشرين الاول وعلى ارض الواقع، ما يطرح المخاوف والهواجس من مستقبل مخيف يحوي الاخطار للبنان، خصوصاً ان المجهول يترّقب بنا بقوة.

هذا المشهد المأساوي ينقله وزير سابق وملّم كبير بالقانون والدستور، طارحاً هواجسه ومخاوفه من عدم تشكيل الحكومة في القريب العاجل، ويقول:» لم نشهد هذه المأساة الكبيرة في تاريخ لبنان، ففي عهد الرئيس السابق ميشال سليمان إستمر الفراغ في حكومة الرئيس تمام سلام نحو عشرة أشهر من دون أن تتشكل، ثم بقيت البلاد لمدة سنتين من دون انتخاب رئيس للجمهورية، وكل ذلك كان مخالفاً لاتفاق الطائف وللدستور وللنظام الديمقراطي، لكن اليوم الوضع تفاقم بشكل غير مسبوق وهو مخيف جداً، فلا احد يبالي لضياع البلد، وهذا يؤكد بأننا نمارس في لبنان نظام محاصصة، ومصالح مشتركة بعيدة عن مصالح الوطن، إضافة الى غياب كامل للشراكة في المسؤولية، في ظل وضع وصل الى اقصى درجات الخطورة، من دون ان يرّف جفن اهل السلطة.

ويشير المصدر الى ما يجري اليوم من تناحر وخلاف على المغانم، واصفاً الوضع السياسي بالمعيب والمخجل، لانهم يتقاتلون على الحصص، فيما الشعب يعاني الجوع والويلات والهجرة، ويقف على ابواب السفارات مستعطياً تأشيرة ليرحل من الموت في لبنان، وهم يتفرّجون ويعملون على إعادة الطقم السياسي عينه.

وعن الحل في ظل كل هذه المصاعب، اعتبر الوزير السابق بأن الحلول باتت صعبة جداً، وهنالك يأس واحباط لم يشعر بهما الشعب اللبناني سابقاً، والأفضل تفعيل حكومة تصريف الاعمال وإن كان عملها اليوم ليس على مستوى التحدّيات، وهذا يبدو مرجّحاً من قبل المعنيّين بالتشكيلة، اذ يعوّلون جميعهم على هذا التفعيل خصوصاً بعد إعلانهم عدم المشاركة في الحكومة المرتقبة، اي بري وباسيل وفرنجية في حال كانت حكومة اختصاصيين، وتدعمهم بذلك الأجواء الإقليمية المستجدة، واصفاً ما يجري اليوم بلعبة تقاذف الكرة بين الرئيس المكلف حسان دياب الذي يصّر على حكومة تكنوقراط، وبين المعنيّين بالتشكيلة الذين حدّدوا خيارهم بعدم الدخول بحكومة تفتقد الى المعايير والتوازنات، وكل هذا يجعل هذه الحكومة رهينة .

وفي اطار مستجدات الملف، لفت المصدر الى ان العلاقة تتأزم اكثر بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ودياب، ناقلاً بأن الاخير يتلقى الرسائل السياسية السلبية من المعنيّين بالتأليف الحكومي، اولها من الرئيس نبيه بري الذي وّجه الغزل السياسي للرئيس الحريري بشأن تفعيل حكومة تصريف الاعمال، وفي الامس ارسل الرئيس عون الوزير سليم جريصاتي الى الرئيس المكلف لابلاغه بأن الدفة لم تعد الى جانبه، لكن دياب لا يزال يؤكد انه باق، وبحسب اصدقاء مقرّبين منه جداً ومن ضمنهم وزير سابق فهو مستمر في مهمته الصعبة ولن يعتذر. مع الاشارة الى ان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي كان بعيداً نوعاً ما عن التشكيلة، اشار بعد لقائه بري بأن حكومة تصريف الأعمال هي بأهمية الحكومة الحقيقية، خصوصاً أنها قد أنجزت الموازنة، والموازنة إذا ما أقرت تعطي أملاً للأسواق والاقتصاد، اي ان الجميع يعوّل اليوم على ضرورة تفعيل حكومة الحريري واعتذار دياب.

وتعليقاً على دعوة الافرقاء الى هذا التفعيل ، اشارت مصادر تيار المستقبل الى ان الحريري سيواصل العمل بما يتطلّبه الواجب والمسؤولية، وهو على اتصال دائم مع الأمانة العامة لمجلس الوزراء لمتابعة تصريف الأعمال مع الوزارات المختصة، لكن المطلوب اليوم تشكيل حكومة تتحمّل مسؤولياتها في مواجهة الاخطار وعلى كل المستويات، لان الرهان بقوة على الحكومة المستقيلة لا ينجح في مثل هذه الظروف الخطرة.