دخل لبنان في ازمة سياسية - دستورية، ترافق الوضع الاقتصادي والمالي المأزوم الى حد الانهيار، مع تفاقم الحالة المعيشية الصعبة، التي دفعت بآلاف الموظفين والعمال الى البطالة، مع اقفال مؤسسات ومصانع ومتاجر، وتوجه بعضها الى دفع نصف راتب واقل، وهو ما اعاد «الحراك الشعبي» الى الساحات وقطع الطرقات، والدعوة الى ايام غضب شعبي، مع تعثر تشكيل حكومة جديدة، ارادها رئيسها المكلف الدكتور حسان دياب، من اختصاصيين ومستقلين، وهو ما رفضها من سموه، ودعوه الى ان تكون حكومته من سياسيين مدعمة باختصاصيين، وبدأ الخلاف بينه وبين الاكثرية النيابية التي ايدته.

فالرئيس المكلف يعتبر انه خدع من الذين وافق معهم على ترؤس الحكومة، متحملاً مسؤولية مواجهة بيئته السنية، على انه لا يمثلها، وقبولها بهذا المنصب ينحل «بالميثاقية»، كما بنتائج الانتخابات، التي اعطت تيار المستقبل اكثرية المقاعد السنية، اضافة الى انه قبل ايضاً ان يلاقي «الحراك الشعبي» في مطالبه، بان لا يعود احد من رموز السلطة، لا سيما من الحكومة المستقيلة التي سقطت في الشارع، وهو لن ينسحب من الميدان الحكومي، وفق ما ينقل عنه من يلتقيه، اذ يعتبر نفسه معنياً بانقاذ لبنان، بما يملك من امكانيات مع فريق عمل وزاري.

الا ان حسابات الرئيس دياب في الحقل، لم تكن هي نفسها على البيدر، في ظل تعقيدات الواقع السياسي والطائفي والمذهبي في لبنان، فظهرت امامه العقد التي ظن بان الكتل النيابية التي سمته ستسهل عليه تشكيل الحكومة، ولانها هي من اقترحته، بعد احتراق ثلاثة اسماء، واعتذار الرئيس سعد الحريري، فان التأليف سيكون سهلاً مثل التأليف، وفق ما يقول ايضاً مقربون من الرئيس المكلف الذي اعطى نفسه شهراً لتشكيل الحكومة والذي تنتهي مهلته الاسبوع الحالي، وما زال مصراً على شروطه التي وضعها لشكل حكومته، ويؤكد انه اتفق عليها مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ولم يكن هناك اتفاق لما قبل تكليفه، لتظهر امامه عقد، التي يحمل الرئيس بري الرئيس دياب المسؤولية، عندما اسر نفسه بسداسية، لا تتناسب الواقع السياسي.

وامام انسداد طرق الحل امام تشكيل الحكومة، مع تمسك اطراف التحالف السياسي الذي سمى دياب، فان التواصل مقطوع معه ايضاً، الا من بعض وسطاء ينقلون رسائل وليس حلولاً، اذ وقع الخلاف على التأليف الذي كان شرطاً على الحريري من قبل رئيس الجمهورية، ليدعو الى الاستشارات النيابية الملزمة، واذ ما رفضه الحريري، حصل مع رئيس المكلف المتمسك بحكومة مصغرة من 18 وزيرا تضم مستقلين واختصاصيين، لا وجود لحزبيين فيها، كما لوزراء من الحكومة السابقة، وان يتعزز وجود المرأة فيها، اضافة ان لا تضم نواباً ووزراء، والغاء منصب وزير دولة، حيث وقع الخلاف بين الرئيس المكلف ومؤيديه، وقد رمى الكرة في ملعبهم، برفضه الاعتذار عن تكليفه، ولا يمكن دستورياًَ اقالته، كما ليس من مهلة دستورية لتشكيل الحكومة، وان رؤساء حكومات غيره قضوا حوالى السنة واقل في تأليف الحكومة، وهو ما زال في الشهر الاول، وفق اوساط تلة الخياط التي تنقل عن الرئيس المكلف، بانه مستمر في مهمته لتذليل العقبات، وان الاكثرية النيابية عليها ان تساعده، وهي بحاجة اليه، واذا كانت مستعجلة ولادة الحكومة، فما عليها الا ان تتنازل عن شروطها التي يرفضها الحراك الشعبي.

فما وصل اليه وضع تشكيل الحكومة، لا يطمئن، اذا ما استمر التباين ضمن الفريق الواحد حول شكل الحكومة، لان اخراج الرئيس دياب من التكليف ليس بالامر السهل، بسبب عناد الشخص حول مطلب حق، وفق مقربين منه، فهو لا يطرح بنوداً مستحيلة التنفيذ، بل هو يقدم طروحات تقنع الغالبية من من اللبنانيين، لا سيما المنتفضين منهم، ولان الحكومة التي سيشكلها عليها مسؤولية كبرى في ايجاد الحلول واتخاذ القرارات التي تنقذ لبنان من الانهيار الذي وقع فيه مالياً واقتصادياً واجتماعياً..

فمن سيخرج دياب من تكليفه رئاسة الحكومة، وبأي طرق دستورية، وهل يلجأ فريق الاكثرية النيابية الى الشارع لاسقاطه، ومن هو البديل الذي سيسمونه، وهل سيعودون الى الرئيس سعد الحريري، وبشروطه ام شروطهم؟

هذه الاسئلة مطروحة، فهل اوقعت الاكثرية النيابية نفسها في ورطة تسمية دياب، الذي يطالب من سموه الالتزام بتعهداتهم له، وهو ليس معتكفاً عن التأليف؟