فهل المصالح الخاصة تعلو مصير البلاد وأهلها!

دارت دائرة تشكيل الحكومة وعادت الى ما قبل نقطة الصفر، في ضوء تمترس الاطراف المعنية بعملية التأليف وراء شروط وشروط مضادة، لم تكن منتظرة مع الفترة الاولى من تكليف الرئيس المكلف حسان دياب، حيث اختلفت المعايير حول توزيع الحقائب والحصص، الى جانب مستجدات اقليمية استدعت من الرئيس نبيه بري الدعوة لتشكيل حكومة تكنو-سياسية تستجيب لحاجة لبنان في مواجهة تداعيات ما حصل بعد اغتيال اللواء قاسم سليماني، ومخاطر ذهاب المنطقة الى خيارات غير محسوبة وفق اوساط قريبة من عين التينة.

وفي معطيات لمصدر سياسي متابع لملف التأليف، فما ان اعلن الرئيس المكلف حسان دياب تمسكه بحكومة التكنوقراط في مقابل تأكيد الرئيس بري على ضرورة تشكيل حكومة تكنو-سياسية، بعد ان كان سبق ذلك مطبات «وفيتوات» على بعض الاسماء والحصص، وعلى كيفية اختيار الاسماء المرشحة لدخول الحكومة، وبخاصة ما بين الرئيس المكلف من جهة ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون والوزير جبران باسيل من جهة ثانية، كل ذلك اطاح باي امكانية لولادة الحكومة في وقت قريب.

وفي معلومات المصدر ان بيان الرئيس المكلف في الساعات الماضية، من حيث التشديد على الالتزام بالمعايير التي وضعها لتشكيل حكومة تكنوقراط، وبموافقة الاطراف السياسية التي كلفته بالتشكيل، وبالتالي تأكيده ان الضغوط مهما بلغت لن تغير قناعاته او تضطره الرضوخ للتهويل، وصولا الى قوله انه لن يقبل بان تصبح رئاسة الحكومة مكسر عصا، كان واضحا في التعبير عن مدى العوائق والصعوبات التي تعترض قيام حكومة يريدها من التكنوقراط، ووفق معايير كان جرى الاتفاق عليها، ولذلك فما تضمنه بيان الرئيس المكلف اقرار غير مباشر بحدة الخلافات التي تعترض التأليف، مما يعني ان لا حكومة في المدى المنظور، في وقت انهى دياب بيانه بمواصلة مهمته بتشكيل الحكومة.

وفيما جاء بيان الرئيس المكلف قبل ساعات من اللاءات التي اعلن عنها الرئيس بري بما خص عملية التأليف، لكن وفق المعلومات فما افضى الى ازمة التكليف جملة مطبّات وخلافات حول «طبخة» التشكيلة من حيث الاسماء والحقائق ويدرجها المصدر بالآتي:

1- تمسك رئيس الجمهورية ومعه الوزير باسيل بالحصة الوزارية من التمثيل المسيحي، حيث يتحدث خصومهما انهما تمسكا بالثلث الضامن، بينها بين خمسة وستة وزراء مسيحيين والوزير الدرزي، وهو الامر الذي اطاح بمعظم الاسماء التي اقترحها الرئيس المكلف، رغم اعلان باسيل عن دعمه لحكومة تكنوقراط، لكن الاسماء المقترحة من جانبه هي من الاسماء المحسوبة على التيار الوطني الحر.

2- ان قول الرئيس المكلف انه يرفض ان تكون رئاسة الحكومة مكسر عصا، لا تتناسب مع موجبات الدستور من جهة، وموجبات الظروف الاستثنائية من جهة ثانية، من حيث استمزاج رأي الكتل النيابية او زعمائها بالاسماء المقترحة طالما ان حكومته الميثاقية تفترض ذلك، وطالما ان حكومته بحاجة للغطاء الدستوري والسياسي من جانب هذه الكتل، كما ان من حق رئيس الجمهورية الطلب من الرئيس المكلف ادخال تعديلات او استبدال اسماء من الذين يقترحهم الرئيس المكلف، لكن الاساس في كل ما له علاقة باعداد «الطبخة الحكومية» ابتعاد كل الاطراف عن منطق المحاصصة وتقاسم الاسماء والحقائب، في وقت اثبتت كل التجارب السابقة ان اعتماد معايير المحاصصة في عملية التأليف تكون له تداعيات سلبية كبيرة على اداء الحكومة لاحقاً، وكل ما يتعلق بعمل الدولة ومؤسساتها المختلفة.

3- لكن على الرئيس المكلف التعاطي بايجابية كبيرة، مع طبيعة الشخصية التي ستتولى وزارة الخارجية لان ذلك يطمئن القوى السياسية التي دعمت تكليفه لرئاسة الحكومة وثانيا لان واقع الصراع الاقليمي المشتعل يفترض وجود شخصية موثوقة وطنيا، بغض النظر عن الاسم او الاسماء التي اقترحها دياب لوزارة الخارجية.

4- كان من الضروري من جميع القوى السياسية، بدءاً من رئيسي الجمهورية والرئيس المكلف التوجه نحو اعتماد معايير مختلفة عن السابق في اختيار الاسماء، وتوزيع الحقائق بحيث تكون هذه الاسماء لا تبني اداءها وتوجهاتها في وزارتها على ما يريده هذا الفريق السياسي او تلك الكتلة النيابية، وانما السعي للمجيء بفريق حكومي متجانس بعيد عن املاءات هذه الفئة او تلك الطائفة، مع الانفتاح على مناقشة كل طرح ايجابي في اي ملف يتم طرحه من اي جهة سياسية، او احد الوزراء كما ان الحرص على انجاح الحكومة تفترض الابتعاد عن حصر هذه الوزارة او تلك الحقيبة بفريق سياسي او بمذهب معين.

ورغم الكثير من الاخطاء التي جرى اعتمادها في طبيعة التشكيلة كان يمكن للحكومة ان ترى النور قبل رأس السنة، لو بقيت الاطراف المعنية وبخاصة رئىس الجمهورية والرئىس المكلف الى تدوير الزوايا حول بعض العقد التي كانت تعيق ولادة الحكومة لكن الخلاف على نقاط قليلة بينها الخارجية واسماء اخرى الى جانب مطبات اخرى، اطاح بالتشكيلة التي اعدها الرئىس المكلف او امكان ادخال بعض التعديلات عليها.

ومع بداية العام اطاح القرار الاميركي باغتيال اللواء قاسم سليماني ورفاقه بالمعايير التي كان متفق عليها حول طبيعة الحكومة، وبالتالي خلط موقف الرئىس بري الذي اكد التمسك بتشكيل حكومة تكنوسياسية كل الاوراق من مسألة تأليف الحكومة، بالتوازي مع تمسك الرئىس المكلف بحكومة تكنوقراط الى جانب اللاءات الاخرى التي طرحها رئىس المجلس.

لتذلك يشير المصدر السياسي ان عودة عملية التشكيل الى ما قبل المربع الاول ومعها حملة من المعترضين يظهر ان اهل السلطة من داخل الاطراف التي يفترض ان تشارك في حكومة دياب او من خارجها اما انهم غير مقتنعين بمدى المخاطر التي تحاصر اللبنانيين واما انهم يراهنون بأن ما تبقي من قدرة نقدية ومالية لدى الدولة واجهزتها المالية والنقدية يمكن البلاد من اضاعة المزيد من الوقت، دون بلوغ الافلاس بانتظار متغيرات داخلية او خارجية تعيد اعادة انتاج نفس المعايير التي اعتمدت في تشكيل الحكومات السابقة فيما الهوة الخطيرة التي وقعت فيها البلاد ومعها كل اللبنانيين، كانت تفترض ذهنية وتوجهات مختلفة كليا عما كان سائدا في السابق وليس فقط بما خص تأليف الحكومة وانها قبل اي شيء اخر في مقاربة جذرية وجديدة لواقع البلاد والمأزوم ينطلق من الآتي:

1- تلاقي كل الاطراف السياسية على ضرورة الابتعاد عن المصالح السياسية الفئوية والطائفية من حيث مقاربة جملة الازمات التي وصلت اليها البلاد بروح من الشفافية، وبما يتيح تسريع الاجراءات لكل ما هو مطلوب على المستويات المالية والنقدية الاصلاحية والسياسية وفي مقدمة وقف المحاصصة واطلاق المحاسبة لوقف الهدر واستعادة المال المنهوب.

2- عندما تتأمن هذه الذهنية وهذه الرغبة يصبح ملف تأليف الحكومة سالكا وبمعايير مختلفة عن السابق، وعندها تسقط كل الحسابات الخاصة او السياسية على مستوى توزيع الحقائب والاسماء لا حول طبيعة الحكومة من التكنوقراط - او تكنوسياسية او غيرها ذلك طالما ان هناك غطاء سياسياً للحكومة وهناك توافق من كل القوى السياسية على انقاذ البلاد بعيدا عن الحسابات والمحاصصة او التنفيعات او المماحكات او تغطية الفاسدين.

لكن في حال استمرت العقلية السائدة اليوم وهي نفسها التي سببت كل هذا الانهيار ونهب الدولة فالبلاد ستكون امام حملة خيارات صعبة اولها اطالة امد التأليف وثانيا التأليف ضمن المعايير السابقة وهو ما يعني حكومة ادارة الانهيار وثالثها وصول الواقع الداخلي المأزوم الى الانهيار الشامل خصوصا ان تفاقم الازمات على كل صعيد وفي الاساس ما لمسه المواطن في الفترة الاخيرة من تفلت سعر الدولار نحو ارتفاعات مفتوحة ومعها العتمة الشاملة التي لاحت في الافق في الايام الماضية والحبل على الجرار وكل الواقع القائم اليوم على مستوى تشكيل الحكومة من جهة وتسارع الانهيار من جهة ثانية يلامس المثل القائل البلاد والمواطن في واد والمسؤولون واهل السلطة في واد اخر.