يبدو ان كل المباحثات والمناقشات في اطار التشكيلة الحكومية قد عادت الى نقطة البداية، بعد التطورات السلبية التي حدثت في الايام القليلة الماضية، وكأن انقلاباً سياسياً حصل اعاد عقارب الساعة الحكومية الى الوراء، وجعل الهموم المعيشية والاقتصادية والمالية التي يتخبّط بها لبنان تتفاقم بشكل غير مسبوق، بحيث توالت التغيّرات السياسية الفجائية، بدءاً بدعوة الرئيس نبيه بري الى حكومة لمّ الشمل في ظل تطورات الوضع الاقليمي، غامزاً من قناة عودة الرئيس سعد الحريري الى السراي، لان له علاقات دولية لا يستهان بها ولبنان يحتاجها اليوم، واتصاله به لحضور جلسة مناقشة موازنة العام 2020 اواخر الشهر الحالي، مع دعوته لتفعيل حكومة تصريف الاعمال، واعلانه بأن الوضع الاقليمي المستجد يتطلّب تشكيل حكومة سياسية، وقوله بأنه حاول تسهيل مهمة دياب ولكن هنالك حدوداً لهذا الامر، إضافة الى حصول توتر كبير على خط الرئيس المكلف حسان دياب ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، وصف البعض هذا التوتر بالقطيعة بسبب الخلاف على اسماء الوزراء، وتدّخل باسيل بكل الحقائب، فضلاً عن علاقة سيئة بين دياب ورئيس الجمهورية بعد اللقاء الاخير بينهما في قصر بعبدا، بحسب ما تنقل مصادر سياسية مواكبة لملف التشكيلة، وترى بأن كل هذه الرسائل تشير الى ان بقاء دياب في مهمته بات امراً صعباً للغاية، لانهم يُحرجونه ليُخرجوه، لكن وعلى أثر إصداره بياناً ليل الجمعة بعد مرور ثلاثة اسابيع على تكليفه في 19 كانون الأول الماضي، يبدو انه ماض في مهمته ولن يعتذر، خصوصاً بعد تأكيده على تجديد الالتزام بالمعايير التي وضعها لتشكيل الحكومة، و«بأن الضغوط مهما بلغت لن تغيّر من قناعاتي، ولن أرضخ للتهويل لأنني مؤتمن على مهمة أعتبرها مقدسة، وسأبذل في سبيلها كل التضحيات، ولن أتقاعس عن استكمال مهمتي ومتابعة اتصالاتي بالجميع، ولن أقبل ان تصبح رئاسة الحكومة مكسر عصا، بل سأواصل مهمتي لتشكيل حكومة تكنوقراط مصغّرة تؤمن حماية اللبنانيين في الزمن الصعب وتنسجم مع تطلعاتهم»، اي انه اراد بدوره إطلاق رسالة الى داعميه السابقين، بأنه لن يتخلى عن التكليف حتى ولو وضعوا الكرة في ملعبه وضغطوا عليه.

الى ذلك تتابع المصادر المذكورة : «دياب كان ينتظر منذ الأربعاء الماضي جواباَ من رئيس الجمهورية ورئيس التيارالوطني الحر، حول مسوّدة التشكيلة الوزارية خصوصاً حقيبة الطاقة، لكن الاتصالات انقطعت بين عون وباسيل بالرئيس المكلف، اذ لم يتسلّم دياب ملاحظات رئيس الجمهورية ففهم الرسائل، الامر الذي دفعه الى إصدار ذلك البيان، وبأن داعميه السابقين بدّلوا في مواقفهم الحكومية لجهة صيغة التشكيلة، وتحديداً عبر مطالبة عون وبري بحكومة تكنوسياسية، الامر الذي لم يعترض عليه حزب الله، مما يعني عودة المتاريس السياسية بين التحالف الثلاثي والرئيس المكلف، على وقع إستعادة زخم الانتفاضة الشعبية التي عادت الى الشارع بقوة يوم السبت، مكرّرة مطالبها في عدد من المناطق اللبنانية احتجاجاً على منطق المحاصصة، الذي يُدار فيه البلد على كل الاصعدة، ورفضاً لتكليف دياب والمطالبة مجدّداً بحكومة اختصاصيّين مستقلين، ما يؤكد إستبعاد تأليف الحكومة الى اجل غير مسمى، لان لا تفاهم بين اركان الحكم وشروطه للتشكيلة وبين الحراك الشعبي، الذي تختلف مطالبه كلياً عن المعنيّين بتأليف الحكومة، اي ان البلد سائر نحو الخراب الكليّ مقابل التعنت والاستكبار، في ظل جوع الشعب وانينه وفقره وغياب ادنى حقوقه.

في غضون ذلك، اعتبرت المصادر عينها بأن دياب في نهاية المطاف سيعتذر، لانهم سيُحمّلونه مسؤولية الانهيار المتواصل، لافتة الى البيان الذي اصدره وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية سليم جريصاتي، والذي يشير الى العلاقة السيئة اليوم بين عون ودياب، خصوصاً بعد قول جريصاتي بأن رئيس الجمهورية ليس ساعي بريد، أو صندوق اقتراع في عملية التكليف والتسمية، وكفانا حرب صلاحيات ومهاترات وبكائيات ونُصرة مزعومة لمواقع في الدولة.

ورأت هذه المصادر بأن الاطراف السياسية التي اعلنت مشاركتها في الحكومة المرتقبة، يبدو انها تتسابق على تهديد دياب من خلال إعلانها عدم المشاركة في الحكومة، إلا اذا كانت تكنوسياسية ومنهم بري، اما باسيل فيواصل وضع الشروط وتبديل الحقائب ويصّرعلى الدسمة والوازنة منها، وصولاً الى فرنجية الذي طالب بوزيرين وإلا لن يشارك، اي ان اغلبية محور 8 آذار اعلن رفضه العلني لدياب، ضمن انقلاب سياسي غير مسبوق، مما يضع الرئيس المكلف في موقف حرج وصعب جداً، لن يُبقيه ضمن نادي رؤساء الحكومات السابقين، بل ضمن الرؤساء المكلفين الذين تلقوا السهام من المقربين والداعمين لفترة اسابيع فقط لا غير.

وختمت المصادر المذكورة بأن الرئيس بري أراد بطريقته اطلاق رسالة ونقطة على السطر، وهو على يقين بأن الحريري قابل للتفاوض بشأن العودة، وإلا لما فتح هذه الثغرة، والمطلوب اليوم إطلاق مبادرة ايجابية لتلك العودة، من قبل الحريري تجاه عون وباسيل وحزب الله، كي نستطيع القول بأن الحريري راجع...