هل يمكن لاي إنسان ان يتصور نفسه يعيش دون مأوى؟ في كل العصور كان لكل إنسان مسكنه، واليوم رغم ما تشهده المجتمعات من تطورات عمرانية واستحداث مدن وشوارع جديدة فان أزمة السكن تبقى هي المشكلة الحياتية الأكبر في العديد من الدول العربية خاصة. ففي الامس القريب كان يعاني اللبنانيون من ارتفاع ايجار المنازل ما دفع بعائلات كثيرة النزوح الى مناطق بعيدة عن المدينة رغبة بمنازل يتحملون دفع ايجارها.

لكن ما يجري في الفترة الأخيرة خصوصا بعد ارتفاع سعر الدولار والذي يكاد يتجاوز الثلاثة آلاف ليرة دفع ببعض التجار الجشعين الى فرض إيجارات جديدة حسب سعر الدولار الاميركي فإذا كان المنزل قبل 17 تشرين الأول يتراوح اجاره بين 200 و 300 دولار فان هؤلاء التجار يفرضون على المواطنين دفع قيمة الاجار حسب سعر الدولار في سوق السوداء فهذا يعني ان المنزل الذي يعتبر ايجاره رخيصا وذلك حسب كل منطقة فان قيمة 200 دولار تساوي على قيمة الدولار حوالى 500 الف ليرة ما يعني انه بات على المواطن دفع أيجار منزل يتجاوز الرواتب يأتي ذلك في ظل تخفيض الرواتب الى اكثر من النصف وصرف مئات الموظفين والعمال والاجراء من أعمالهم.

يوم امس توافد الى باحة معرض رشيد كرامي الدولي عشرات العائلات وافترشت الأرض مع أطفالها وسط اجواء مناخية باردة وموجة صقيع تضرب البلاد منذ ايام.

هذه العائلات الفقيرة طردت من منازلها المتواضعة التي كانت تعتبر المأوى الوحيد لها بسبب عجزها عن دفع الايجار حسب التسعيرة الجديدة في ظل غياب وزارة الاقتصاد عن القيام بدورها بمواجهة جشع التجار الذي لا يرحم وفي ظل غياب نواب طرابلس ووزرائها عن تقديم اي معالجة بل بدت الصورة في معرض رشيد كرامي اشبه بالحروب العبثية عندما تحولت المرافق الحكومية الى مأوى من ويلات القصف والحروب لكن المفارقة اليوم ان هؤلاء العائلات لجأت الى باحة المعرض هربا من التشرد والبرد.

والسؤال المطروح اليوم هل من المعقول ان يكون ايجار المنزل يحتاج الى راتبين لدفعه؟

والسؤال الآخر المطروح هل بات لزاما على العائلات التي أصبحت في خانة التشرد طلب الهجرة لتشعر بأمان؟ لكن كيف ذلك وابواب الهجرة كلها مقفلة في وجه اللبنانيين؟ والحل الوحيد في الهجرة عبر البحر وهذه الخطوة تكلف الإنسان حياته وهذا ما جرى قبل ايام حيث غرق في بحر اليونان سبعة لبنانيين ولم يعثر عليهم احياء حتى هذه اللحظة.

ان مشهد العائلات الفقيرة في معرض رشيد كرامي الدولي التي هجرت من منازلها لعجزها عن تسديد الايجارات هو مشهد اختزل كل الازمة اللبنانية الاجتماعية الراهنة وهي بداية ثورة اجتماعية تهدد البلاد برمتها تحت عيون دولة اغمضت العيون وأصمت الآذان وتتلهى بتناتش الحصص والتساجل فيما بينها تاركة الناس يموتون جوعا وفقرا والتشرد ...