«الناس بالناس والقطة بالنفاس»، هذا هو واقع الحال في البلاد اليوم، من حيث المخاطر التي تحدق بالبلاد ومعها كل اللبنانيين، فيما أهل الربط والحل في السلطة السياسية وقواها المختلفة - ممن هم في موقع الاعتراض او التأييد لمسار التكليف والتأليف للحكومة المنتظرة، فالكل غير مسؤول ويحمّل الآخرين مسؤولية الانهيار والتهاوي في الفراغ، وتفاقم الازمات التي أوصلت المواطن الى حافة المجاعة، ولا من «يسأل او يستعجل الحلول».

وفي المعطيات والوقائع - وفق سياسي لبناني عتيق - ان كل طرف وفريق في هذه السلطة، ومن جبهتي الاعتراض والتأييد يقول في العلن مواقف وتوجهات لتسهيل الحلول والمعالجة، ويمارس عملياً عكس هذه المواقف والتوجهات، فلا المعترضون يسهلون تشكيل الحكومة التي يريدها الفريق الآخر، او يبدون في الوقت نفسه استعدادهم للمشاركة في الحلول والمعالجات الجدية، ولا المؤيدون لتشكيل الحكومة التي كلف حسان دياب تشكيلها يسهلون له التأليف ما يعبر عن الاستمرار في نفس السياسات السابقة ومنطق المحاصصة.

وفي واقع الحال السياسي المأزوم - كما يقول السياسي المذكور - ان اطراف السلطة لو كانت عندهم النية والرغبة باخراج البلاد من المأزق الذي بلغته على كل المستويات، لكان يفترض بالجميع باعادة النظر بكل سياساتهم التي كانت السبب في دخول البلاد مرحلة الانهيار، وبالتالي ضرورة تغيير الذهنية التي اعتمدت طوال السنوات الثلاثين الماضية ليس مالياً ونقدياً واقتصادياً واجتماعياً، بل على المستوى السياسي بالدرجة الاولى، لانه من دون ذهنية سياسية جديدة، فأي تغيير في الملفات الاخرى يبقى جزئياً قاصراً عن اعادة استنهاض البلاد ومنع السقوط في الهاوية.

فكل السياسات التي مارسها اهل السلطة حكومات ومجالس نيابية ومؤسسات ومرافق وسياسات مالية ونقدية، كلها بنيت على منطق المحاصصات، وعلى التقاسم المذهبي والسياسي والحزبي، ما ادى ال هذا الكمّ الهائل من اعتبار الدولة ومؤسساتها، وكل ما له علاقة بالمالية العامة والانفاقات وحقوق الدولة في كل شيء، هي اقطاعات حزبية وسياسية جرى التصرف بها، وفقاً لمصالح القوى السياسية وازلامها والمافيات المختلفة التي نفذت وتفلتت من اي مراقبة او محاسبة او ضوابط، لان اهل السلطة تواطأوا على تقاسم الدولة ومنافعها ومؤسساتها ومرافقها وحقوقها، ما أتاح ايضاً استسهال «مدّ اليد» على المال العام على كل المستويات في كل المرافق والمرافئ وبالتالي انتج فئة واسعة من الطفيليين استفادت من السمسرات والصفقات والتنفيعات... ومن كل تفصيل في مختلف قطاعات ومؤسسات الدولة، رغم ان بعض الاطراف لم تنخرط في مافيات السمسرة والتنفيعات بنسب مختلفة، لكنها في الحد الأدنى «غضت الطرف» عن كل ما كان يحصل في الدولة ومؤسساتها وبالاخص ما يتعلق بالهدر والفساد والصفقات والتنفيعات المالية، حتى باتت كل مؤسسة او وزارة او دائرة تتحكم بعملها وادائها مجموعة من المستفيدين مباشرة او عبر المافيات التي استطاعت الربط مع طرف مقرر، في هذا المرفق او تلك المؤسسة.

وبدل ان يبادر أهل السلطة وقواها السياسية على الاقل في السنوات الثلاث الاخيرة على الاسراع باجراءات وخطوات اصلاحية مدخلها محاربة الفساد والهدر بما يتيح الحؤول دون الوصول الى الانهيار الذي وصلت اليه البلاد في الاشهر الاخيرة حيث كانت كل المؤشرات المالية والاقتصادية والحياتية تؤكد ان البلاد تتجه نحو ازمة أوسع وأخطر بكثير، وذلك على وقع التحذيرات الدولية والداخلية من مغبة الاصرار على نفس السياسات الـسابقة، الا ان اهل السلطة أمعنوا في سياسة المحاصـصة وتقاسم التنفيعات الماللية والتعيينات على اساس سياسي ومذهبي، ومن ثم جاءت الانتخابات النيابية الاخيرة والقانون الذي أجريت على اساسه الانتخابات - مع ما يتضمنه من ثغرات كبرى ما أتاح لنفس القوى السياسية بأن تعيد انتاج نفسها - لتؤكد ان لا شيء تغير في ذهنية القوى السياسية التي أعدت قانون الانتخابات على قياساتها.

وفيما كان رهان اللبنانيين ان تنتهج الحكومة المستقيلة برئاسة سعد الحريري بعد تشكيلها، رغم اضاعة حوالى عشرة اشهر في عملية تقاسم الحصص الوزارية سياسة مختلفة عن السابق على المستويات الاصلاحية والمالية والنقدية والحياتية، لكن جميع الاطراف لم يغيروا في سياساتهم السابقة، ولو ان بعض الاطراف عارضوا في فترات مختلفة تمرير بعض الصفقات والتلزيمات التي يشتم منها روائح السمسرات، الا ان منطق المحاصصة وتقاسم المغانم استمر هو نفسه كما كان يحصل قبل ذلك، رغم بعض الايجابيات الجزئية، وهي باقرار موازنتي العامين 2018 و2019، وحتى الحكومة المستقيلة عجزت عن تأمين الشروط التي وضعها مؤتمر «سيدر» لحصول لبنان على قروض تصل الى 11 مليار دولار، مع ان هذه الشروط، تتضمن افكاراً جزئية للاصلاح، ولا تطال الاصلاح المنشود بكل مندرجاته.

والاخطر في كل هذه السياسات، انه بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية نتيجة لتردي حياة اللبنانيين ما حصل منذ ثلاثة اشهر وحتى اليوم من غياب كامل للسلطة بكل مواقعها وجهاتها عن القيام بالمسؤولية المفروضة عليهم، من حيث تلاقي الجميع على انقاذ البلاد من الوصول الى الافلاس الكامل، والتخلي عن اجنداتهم السياسية (أو في الحد الأدنى وضع جانباً الملفات الخلافية) للتفرغ لما هو واجب وضروري لتجاوز الواقع المأزوم بدءاً من اقتناع الجميع بتغيير الذهنية السابقة ليصار الى تشكيل حكومة وفق معايير وتوجهات مختلفة كلياً عن السابق، وعنوانها التخلي عن سياسة المحاصصة وتقاسم المغانم، بالتوازي مع سياسات مالية ونقدية واصلاحية تخرج البلاد من ازماتها، لكن الجميع، مع بعض الفروقات البسيطة ما بين دعوات جزئية للاصلاح، والتمسك بعودة الرئيس الحريري لرئاسة الحكومة، دون تغييرات عملية في الذهنية السابقة، وما بين الاطراف الاخرى هي ايضاً تعاطت بمنطق كيدي مع خصومهم، من تيار المستقبل، الى القوات اللبنانية والحزب الاشتراكي، متلطين بشعار حكومة التكنوقراط، رغم ان اي حكومة مهما كانت طبيعتها لن تكون اكثر من «شاهد زور» على تمادي الانهيار، طالما ان لا تغيير في ذهنية القوى السياسية، ولا رغبة جدية بالمحاسبة ووقف نهب المال العام واستعادة ما نهب من اموال عامة، وبالتالي فالشعارات التي رفعتها كل الاطراف للخروج من الازمة، هي اقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب، في وقت لا انقاذ ولا خروج من الازمة دون اجراء تغييرات بنيوية في كل سياسات الدولة، بدءاً من المستوى السياسي وقانون الانتخابات، الى كل الملفات والقضايا المالية والنقدية والحياتية والاقتصادية وما يفرضه كل ذلك من اصلاحات جذرية في كل بنيان الدولة وسياساتها والتقاسم الطائفي والحزبي.

حتى ان التمادي في تعميق الازمة وترك البلاد تسير نحو الانهيار، لم يقتصر على التمادي في السياسات السابقة التي اوصلت للانهيار، بل أصرت كل هذه الاطراف على التمادي «بطمر الرأس في الرمال» من حيث تحمل المسؤولية في مواجهة السياسات المدمرة التي اعتمدتها، فرئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري الذي تعمّد الاستقالة دون التشاور مع أحد، ولو انه كما قال تجاوب مع احد مطالب الانتفاضة الشعبية، لجأ بعد الاستقالة الى الاستقالة ايضاً من مسؤولياته في تصريف الاعمال كرئيـس للحكومة المستقيلة بينما البلاد تغرق في أزماتها، واستتبع هذا الامر باعتماد المماطلة لاكثر من شهرين بدعـوة الاطراف الاخرى بأن يعود لرئاسة الحكومة، فيما حلفاؤه «انغمسوا» الى أخمس القدمين بالرهان على الخارج وحتى وضعوا العصي والمتاريس امام اعادة تكليفه ما دفعه الى الاعتذار لاحقاً وتكليف حسان دياب لرئاسة الحكومة، ومن ثم حرك الحريري انصاره لقطع الطرقات وتجييش الشارع مذهبياً لتكليف شخص آخر بتشكيل الحكومة، في وقت الجميع على دراية كاملة بأن الحريري هو الذي فضّل الهروب، لان القوات اللبنانية أبلغته انها لن تسميه، فيما التيار الوطني الحر أعلن مسبقاً انه لن يشارك في حكومة يرأسها الحريري على وقع التوتر الكبير الذي نشب بينه وبين كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والوزير جبران باسيل، واستكمل الحريري سياسة الهروب من تحمل المسؤولية بمغادرة لبنان منذ ما قبل الميلاد ورأس السنة متلطياً بحجة قيامه بزيارة عائلته في باريس.

وفي المقابل، فان الاطراف التي سمّت دياب، هي ايضاً حاصرت ملف تشكيل الحكومة بالصراع على الحصص والمقاعد الوزارية، فتوزعت الفيتوات والشروط حول هذا الاسم او تلك الوزارة بين كل الاطراف المعنية، وبالاخــص ما بين الرئيس المكلف والوزير باسيل مدعوماً من رئيس الجمهورية ما ادى الى ادخال ملف التأليف في عمــلية «شد حبال» واسعة ادى الى تأخير التأليف نتـيجة الصراع على الحصص، وباتت ولادة الحكومة تحتاج الى معجزة، بعد دخول تعقيدات ومستجدات غير منتظرة على طبيعة الحكومة وشروط انضاجها، وحتى لو شكلت الحكومة في الايام او الاسابيع المقبلة، ستكون إما «شـاهد ما شفش حاجة» وإما في أحسن الاحوال كســب الوقت بأقل الخسائر بانتظار تبلور الواقع الاقليمي والدولي، طـالما ان لا قدرة لدى الاطراف الداخلية على تغليب المصلحة الوطنية على الاجندات الخارجية او في الحد الادنى وضع الملفات السياسية المختلف عليها جانبا والانكباب لمعالجة الانهيار الذي دخلت به البلاد، بينما ابقاء الفراغ في مؤسسات الدولة وابقاء البلاد في أتون الأزمات المتفاقمة من شأنه ان يسرّع في دفع لبنان واللبنانيين نحو الافلاس، ونحو سقوط ما تبقى من بنيان مالي ونقدي وحياتي، حيث اقترب سعــر صرف الدولار لدى الصيارفة من ثلاثة الاف ليرة، واقترب لبنان من العتمة الشاملة، وباتت البلاد على شـــفير دمار مالي كامل.