أعلنت الأمم المتحدة أنّ لبنان هو من بين الدول الـ 11 (والتي جرى تخفيضها الى 8) الممنوعة من المشاركة في قرارات الأمم المتحدة، أي التي لا يحقّ لها التصويت في الهيئة العامة والمشاركة في القرارات الدولية، ولا يحقّ لها بالتالي الكلام، لأنّه لم يُسدّد الإشتراكات السنوية المتوجّبة عليه. وإثر هذا الإعلان، أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين بياناً أسفت فيه لما جاء على لسان الأمم المتحدة، مؤكّدة بأنّها قامت بكلّ واجباتها وأنهت معاملاتها ضمن المهلة القانونية، وأجرت المراجعات أكثر من مرّة مع المعنيين دون نتيجة. فما هي حقيقة ما جرى وكيف بالإمكان تصحيحه لكي لا يفقد لبنان حقّه في المشاركة الدولية في القرارات؟!

أوساط ديبلوماسية عليمة أوضحت بأنّ وزارة الخارجية سبق وأن أرسلت نسخة عن مراسلتين لعامي 2018 و2019 الى وزارة المالية. المراسلة الأولى الى الدائرة المالية في لبنان والى بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك بتاريخ 7 آب من العام المنصرم 2019، تضمّنت نسخة عن القرار رقم 43/14 الذي يرمي في المادة الأولى منه الى «تسديد مساهمة لبنان في الميزانية العادية للأمم المتحدة عن عام 2019، بقيمة 1.310.466 أي مليون وثلاثماية وعشرة آلاف وأربعماية وستة وستين دولاراً أميركياً، ما يُعادل 1.978.803.000 مليار وتسعماية وثمانية وسبعين مليوناً، وثمانماية وثلاثة آلاف ليرة لبنانية»، على ما ورد في القرار المذكور. وجاء في المادة الثانية منه أنّه «تستصدر حوالة مصرفية بقيمة 1.310.466 دولار أميركي باسم بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة- نيويورك. على أن يُصرف المبلغ المذكور، بحسب المادة الثالثة، على الإشتراكات في مؤسسات ومنظمات إقليمية ودولية، ومنها الإشتراك المتوجّب على لبنان كعضو في الأمم المتحدة، وجرت موافقة ديوان المحاسبة عليه، لكنّه لم يُسدّد على ما يبدو.

فيما المراسلة الثانية من قبل وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل الى وزير المال علي حسن خليل، وتحت عنوان «عاجل جدّاً»، فقد تضمّنت طلب صرف المساهمات العائدة للمنظمات الدولية لعام 2018. وحذّرت فيها من أنّ «التأخير بتسديد مساهمات لبنان في المجالس الإقليمية والهيئات الدولية ينعكس سلباً على سمعته وعلى تخصيصه بمشاريع تنموية، ويؤدّي عدم الإيفاء بها الى عدم تمكّن ممثلي لبنان من التصويت في الهيئات ومتابعة قضايا ترشيحات لبنان ومصالحه الدولية». كما طلبت من وزير المال إعطاء التعليمات والإيعاز لمن يلزم بإعطاء الأولوية القصوى لتصفية معاملات المساهمات الدولية التي أوردت جميع الأرقام المتعلّقة بها، راجيةً منه اتخاذ ما يراه مناسباً تأميناً لحسن سير عمل المصالح اللبنانية لدى المؤسسات والهيئات الدولية والإفادة.

وتقول الأوساط إنّه بغضّ النظر عن الجهة المسؤولة عن عدم سداد المبلغ الأدنى من المستحقّات، فإنّ هذا الأمر يجعل لبنان حالياً هو المتضرّر بمصالحه وبهيبة الدولة وسمعتها. ولهذا طالبت بأن تتمّ معالجة المسألة من قبل وزارة المالية في أسرع وقت ممكن لأنّه يُمكن تصحيح الأمر قبل انتهاء الدورة الحالية للجمعية العامة. وعندها يُمكن استصدار قرار جديد يتضمّن السماح للبنان بالتصويت مجدّداً، على غرار ما حصل مع كلّ من جزر القمر وسان تومي وبرينسيي، والصومال.

وفي رأيها، بأنّ لبنان الذي يُشكّل أحد الدول الأعضاء الذي ساهم بتأسيس الأمم المتحدة، بات اليوم أكثر عجزاً عن تسديد إشتراكاته الدولية بالدولار الأميركي في ظلّ الأزمة الإقتصادية والمالية التي يعاني منها، وفقدان الدولار وتأثيره على انخفاض سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار. ولهذا فعلى الأمم المتحدة أخذ هذا الأمر بالإعتبار، سيما وأنّ عدم تسديد المستحقّات ناجم عن أسباب يعاني منها البلد ككلّ، وليس عن أسباب أخرى مقصودة.

وبحسب المعلومات، فإنّ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد وجّه رسالة من ضمن الدورة الرابعة والسبعون البند 139 من جدول الأعمال ولا سيما جدول الأنصبة المقرّرة لقسمة نفقات الأمم المتحدة، الى رئيس الجمعية العامة مؤرّخة بتاريخ 7 كانون الثاني 2020، ذكر فيها أنّه «أولاً، في الوقت الحاضر هناك 11 دولة عضواً متأخّرة عن سداد اشتراكاتها بموجب أحكام المادة 19 من ميثاق الأمم المتحدة التي تنصّ على ما يلي: «لا يكون لعضو الأمم المتحدة الذي يتأخّر عن تسديد اشتراكاته المالية في الهيئة حقّ التصويت في الجمعية العامة إذا كان المتأخّر عليه مساوياً لقيمة الإشتراكات المستحقّة عليه في السنتين الكاملتين السابقتين أو زائداً عنها. وللجمعية العامّة، مع ذلك، أن تسمح لهذا العضو بالتصويت إذا اقتنعت بأنّ عدم الدفع ناشىء عن أسباب لا قِبل للعضو فيها».

وأوردت ثانياً، المبالغ الدنيا التي يلزم تسديدها لخفض المبالغ المستحقّة على تلك الدول الأعضاء من اشتراكاتها، بحيث تظلّ أقلّ من المبلغ الإجمالي المستحق عليها في السنتين الكاملتين السابقتين (2018 و2019). وهذه الدول هي: جمهورية أفريقيا الوسطى، جزر القمر، غامبيا، لبنان، ليسوتو، سان تومي وبرينسيي، الصومال، سورينام، تونغا، فنزويلا واليمن. هذا وقرّرت الجمعية العامّة في قرارها 74/1 السماح لجزر القمر وسان تومي وبرينسيي، والصومال بالتصويت في الجمعية حتى نهاية دورتها الرابعة والسبعين.

وختمت بأنّ هذا يعني بأنّه على الديبلوماسية اللبنانية التصرّف ودفع المبلغ الأدنى المستحقّ على لبنان بالدولار والمحدّد، بحسب الرسالة المذكورة، بـ 459.008 دولارات أميركية، سيما وأنّ الدول التي جرى السماح لها بالتصويت مثل جزر القمر يصل المبلغ الأدنى لمستحقّاتها هو 885.858، وسان تومي وبرينسيي 832.075، والصومال 1.451.951. وكلّ من هذه المبالغ يفوق المبلغ المستحقّ على لبنان، لهذا يُمكن تصحيح الأمر، وإعادة السماح للبنان بالتصويت واستعادة حقّه بالكلام والمشاركة في القرارات الدولية، منذ الآن وحتى نهاية الدورة الـ 74 الحالية التي تنتهي في 16 أيلول 2020.

مواقف

تعليقاً على خسارة لبنان حق التصويت من الجمعية العامة للامم المتحدة، توالت امس تغريدات للسياسيين حيث عبروا عن اسفهم لما يحصل.

* وعليه غرّد وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة تصريف الأعمال ريشار قيومجيان عبر «تويتر» قائلاً: «شو نحنا احسن من فنزويلا واليمن وتونغا وغامبيا والصومال؟ بعد التجربة القي اللوم على تقصير الإدارة في الوزارات المعنية، إدارة معقدة، عفنة، غبية ومتخلفة».

* غرّد النائب شامل روكز عبر «تويتر» «نتخلف عن دفع المستحقات، بينما تهدر الأموال في كل اتّجاه وتسرق! بئس الزمن الذي تشوّهت فيه صورة لبنان المجد والسيادة والريادة».

* سأل النائب نعمة افرام: «ما جرى غير مقبول وأوجّه سؤالاً إلى حكومة تصريف الأعمال عن هذا الإهمال غير المقبول».

* كتب النائب عماد واكيم عبر «تويتر» «لماذا كل هذا الانتقاد والتهكم بسبب عدم تسديد اشتراك لبنان لدى الامم المتحدة، لننتظر توضيح وزير الخارجية ونبني على الشيء مقتضاه، يمكن الوزير بدو بس ما خلوه».

* قال النائب زياد الحواط عبر «تويتر»: «هي آخر إنجازات العهد القوي والنتيجة الطبيعية للإدارة الفاشلة والفاسدة والمتكابرة. نجنا يا رب من إنجازات أخرى».

* سأل النائب بيار بو عاصي على «تويتر»: «كيف يتخذ قرار بهذه الخطورة لما فيه من نتائج تؤدي الى عزل لبنان وضرب صورته بين الامم دون طرح الامر على مجلس الوزراء تحت رقابة مجلس النواب؟ تقاذف المسؤوليات لا يبني اوطانا، وحده تحمل المسؤولية يبني وطنا».

* كتب النائب فيصل الصايغ على «تويتر»: «انه فشل جوهري جديد وغير مبرر لوزير الخارجية، يضاف إلى فشله السابق والمستمر في قطاع الكهرباء، والنتيجة في الحالتين، خسائر معنوية ومادية كبيرة يتحمل تبعاتها الشعب اللبناني بأسره».

* غردت النائبة رولا الطبش عبر حسابها: «إخفاق فاضح للدبلوماسية اللبنانية ورعونة كبيرة لدى متوليها. ومع التبريرات وتقاذف المسؤوليات تحول العمل الدبلوماسي الى جولات حزبية في الخارج وعنتريات في الداخل».

* غرد النائب نديم الجميل عبر «تويتر»: «بدل صرف الملايين على الرحلات والسفرات والاحتفالات لكان من الأفضل تسديد المستحقات!».

* غرد النائب فريد هيكل الخازن على «تويتر»: «مسألة الامم المتحدة تسجل للتاريخ وهي خير دليل على سوء الادارة والهريان الذي يطال كل مفاصل الدولة اللبنانية».

* قال النائب السابق بطرس حرب: « لم يشهد لبنان في تاريخه مثل هذه الانجازات. فبفضل أهل السلطة لا حكومة، ولا كهرباء ولا حل لمشكلة النفايات والفساد مستشري والقضاء مسيّس والمصارف لا تدفع للناس اموالهم والجوع على الابواب، كان ينقصنا فقدان لبنان لصوته في الامم المتحدة. بيّضتوها !».

* قال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع في بيان «فقدان لبنان حق التصويت ممكن ان يبدو للبعض وكأنه مجرد امر إداري روتيني، لكنه بالفعل وعلى ارض الواقع يحمل في طياته معاني سلبية كثيرة اهمها ان المجموعة الحاكمة في الوقت الحاضر ينتابها قصور كبير جداً وفساد ولا مبالاة إلى حد تدمير ممنهج لصورة لبنان التاريخ في رؤوس مواطنينا واجيالنا الصاعدة»، معتبرا «ان الأمر لم يعد يقتصر على سقطة من هنا وخطأ من هناك وتقصير من هنالك، بل اصبح واضحاً ان الأكثرية الحاكمة اعجز من تحمّل مسؤولية شعب وإدارة بلد»».

* كتب اللواء اشرف ريفي عبر «تويتر» «فضيحة جديدة تُضاف الى سجلّ الفساد والفشل. السلطة توقّع على إدانتها بنفسها، وتحوّل لبنان إلى دولةٍ فاشلة، وتهدم آخر ما تبقى مما بناه لبنانيون كبار»، خاتماً «ويسألون لماذا كانت الثورة».