تعثّر تأليف الحكومة من قبل الرئيس المكلّف حسّان دياب بعد اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني نظراً لإعادة خلط الأوراق الإقليمية والدولية، وتغيير ستاتيكو قائم في العراق وفي المنطقة. هذا فضلاً عن التباين في وجهات النظر وتضارب المواقف الداخلية بينه وبين بعض القوى السياسية والكتل النيابية التي تُسمّي أسماء الوزراء الجدد. ولهذا توقّفت الأمور عند ما يريده دياب من تشكيل حكومة تكنوقراطية بحتة، وما تتمسّك به بعض القوى من «حكومة تكنوسياسية» كون الإختصاصيين بمفردهم لا يُمكنهم أن «يُقلّعوا» في الحكومة الجديدة التي يُنتظر منها أن تجد حلولاً سريعة للأزمات الإقتصادية والمالية والمعيشية والإجتماعية وسواها التي يعاني منها المواطن اللبناني.

ويبدو أنّ الأمور عادت الى الوراء كثيراً، على ما أكّدت مصادر سياسية مطّلعة، لكي لا نقول الى نقطة الصفر بسبب عدم التوافق على بعض الأسماء لا سيما منها إسم الوزير الجديد لوزارة الخارجية والمغتربين، كون السياسة الخارجية للبنان، على ما يرى باسيل، تلعب دوراً مهمّاً في المرحلة المقبلة وهو يودّ وزيراً يُواجه المجتمع الدولي بضرورة مساعدته على حلّ أزمة النازحين السوريين في لبنان وإعادتهم الى بلادهم، وليس القبول بمقترحات هذا الأخير بضرورة دمجهم أو «توطينهم» في المجتمعات المضيفة كون ظروف عودتهم، من وجهة نظره، ليست مؤمّنة بعد. هذا الى جانب عدم قبول بعض الأطراف باقتراح دمج الوزارات الذي يتبعه دياب للتقليل من عدد الوزراء من 30 الى 18، فيما تجد هذه الأطراف بأنّ أي وزير إختصاصي لن يكون قادراً على تسيير أمور حقيبتين في وقت واحد لا سيما في المرحلة الحسّاسة التي تتطلّب بذل جهود أكبر في مختلف الوزارات والقطاعات.

وبعد أن كانت خطوات تأليف الحكومة تتسارع بعد تكليف دياب الذي وعد بولادتها خلال شهر أو 6 أسابيع على أبعد تقدير، عادت وتفرملت مع عدم اقتناع القوى السياسية بأنّ حكومة التكنوقراط ستكون قادرة على مواجهة المرحلة المقبلة خصوصاً وأنّ التسوية بين أميركا وإيران ستكون سمتها ولهذا لا يجوز الإبقاء على أطراف سياسية خارج الحكومة الجديدة. وتقول المصادر بأنّه من الضروري الإسراع قدر المستطاع بتشكيل الحكومة، ولكن ليس أي حكومة ستكون قادرة على حلّ المشاكل التي يعاني منها البلد بسحر ساحر أو بين ليلة وضحاها.. ولكن إذا ما تشكّلت الحكومة المناسبة وبدأت باتخاذ القرارات السريعة والجريئة ولا سيما منها استعادة الأموال المنهوبة، فإنّها ستتمكّن من استعادة بعضاً من ثقة الشعب الذي يقضي معظم وقته حالياً في المصارف خوفاً على فقدان أمواله وجنى عمره، ومن ثمّ تتمكّن بالتالي من استعادة ثقة المجتمع الدولي والدول المانحة التي ستوفّر لها أموال «سيدر» شرط ألاّ تضيع كما أموال المؤتمرات الدولية السابقة.

في الوقت نفسه، فإنّ عدم تشكيل الحكومة في أسرع وقت ممكن، على ما شدّدت، المصادر، سيؤدّي حتماً الى انهيار كامل للوضع الإقتصادي في البلد، والى المزيد من الفقر والبطالة والجوع، ما يعني فوضى شاملة، تُفقد لبنان ثقة شعبه به أكثر فأكثر، كما ثقة المجتمع الدولي ككلّ. لهذا فإنّ الحلّ ربما يكون منذ الآن وقبل الوصول الى الإنهيار، بما دعا اليه رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي بالإسراع في تشكيل حكومة «لمّ الشمل» الجامعة، أو «لمّ الشمل الوطني»، ما يعني اعتذار دياب عن التأليف والعودة الى خيار الرئيس سعد الحريري لتأليف حكومة تضمّ الجميع. علماً بأنّ مثل هذه التركيبة، على ما يرى العارفون، سبق وأن تمّت تجربتها طوال العقود الماضية ولم تُثبت نجاحها فيما يتعلّق بحلّ الملفات العالقة وتحقيق النمو والإزدهار في البلد، باستثناء قدرتها في تحقيق بعض الأمور لا سيما الحفاظ على الإستقرار الأمني الداخلي وسعر صرف الليرة. ولعلّ هذان الأمران هما أكثر ما يريدهما الشعب في لبنان حالياً قبل أي شيء آخر. فضلاً عن أنّ الشارع الذي انتفض في 17 تشرين الأول الفائت لن يُوافق، في الوقت نفسه، على التركيبة نفسها في حال تمّ تأليف حكومة تكنوسياسية حتى ولو برئاسة الحريري، سيما وأنّه يُطالب بحكومة إختصاصيين مستقلّين ليسوا مسمّين وفق المحاصصة السياسية والطائفية.

وفي رأي المصادر نفسها، فإنّ حكومة اللون الواحد، لا بدّ وأن تكون «حكومة مواجهة»، على الأقلّ من قبل الأطراف غير المشاركة فيها. ولهذا يجد الرئيس برّي أنّ حكومة تجمع القوى السياسية والحراك المدني معاً وتؤلّف من إختصاصيين كفوئين غير حزبيين إنّما يستطيعون لمّ شمل الجميع من حيث الموافقة عليهم كأشخاص، هي الحلّ الأفضل في المرحلة الراهنة.