ربما باتت هكذا حال الطبقة السياسية : كمن يعض على الصخر...!

على من يضحك هؤلاء الناس حين يربطون تشكيل الحكومة، وشكل الحكومة، بالتفاعلات الاقليمية؟ متى لم تكن المنطقة على خط الزلازل، وعلى خط الحرائق، اذا ما استعدنا قول هنري كيسنجر «أزمة الشرق الأوسط ولدت حين ولد الله وتموت حين يموت الله».

هل فكروا، يوماً، بالاحتمالات، ولبنان في قلب هذه الاحتمالات، حين كانوا ينقضّون، وأزلامهم، كما قبائل ياجوج وماجوج، على المال العام؟

تحت شعار «حكومة الوحدة الوطنية» حدث مسلسل الصفقات، ومسلسل الفضائح، ومسلسل المصائب. لا أحد اكترث بمن كان يحذّر من الانتهاك الفظ، والفظيع، لمقدّرات الدولة، وكانت تتلاشى بين أنيابهم.

انهيار في كل شيء. بالدرجة الأولى، انهيار في «الأخلاقية العامة» قبل الحديث عن انهيار «المالية العامة». على مدى عقود كان التواطؤ بين ملوك الطوائف ورعايا الطوائف. حتى الساعة، كلنا معلبون سياسياً، وطائفياً. من أجل عيني فلان وفلان تقطع الطرقات، وتتقطع أوصال البلاد. رجل الدين اياه على ذلك الحاجز ربط بين سقوط زعيم الطائفة وسقوط دين محمد...

لا صلة بين العودة الى تكريس تلك البدعة في تشكيل الحكومات وتطورات الاقليم. «حزب الله» كرّس معادلة توازن الرعب. هذا هو السقف الا اذا انفجر الجنون في اسرائيل وحاولت غزو لبنان. آنذاك سنكون أمام عنوان آخر وصارخ : لبنان يغزو اسرائيل!!

خرافة الجيش الذي لا يقهر انتهت. دبابات الميركافا، الدبابات المقدسة، كانت تنتحب في وادي الحجير. هكذا كتب ديفيد غروسمان الذي سقط ابنه هناك. اسبارطة تزعزعت. تابعوا ما يكتب حول التخلخل السيكولوجي داخل المؤسسة العسكرية الاسرائيلية.

حكومات «الوحدة الوطنية» كرست فديرالية الطوائف. الصيغة التي تقتل لبنان. حتى الحقائب الرئيسية باتت ملكاً لطوائف بعينها. لماذا الاختباء وراء الأقنعة، أو وراء الجدران، ولا تكون الدعوة الى الغاء المادة 95 من الدستور والقول بالفديرالية الطائفية للدولة في لبنان؟

لا مبرر للتذرع بالهزات الاقليمية. هذه الهزات لم تتوقف يوماً. الأميركيون والايرانيون لا يريدون الذهاب الى الانفجار مهما علت الأصوات هنا وهناك. الطرفان يعلمان أن اي حرب ستكون حرب المائة عام. لا داعي لرقصة الفالس على أرصفة الجحيم.

لا نقول ان حسان دياب هو الألماني كونراد اديناور، أو الماليزي مهاتير محمد، أو النيوزلندية جاسندا آرديرن، بالصلاحيات المحدودة، وبالبنى السياسية، والطائفية، المعقدة. ما علمناه عن الرجل ممن يتابعونه عن كثب أن باستطاعته أن يكون المايسترو البارع لفريق أوركسترالي من الأدمغة القادرة على اجتراح الحلول، ويناء الخطط التي تنتشل الجمهورية من القاع.

رئيس الحكومة المكلف قال بحكومة مستقلين. هو ماض في هذا الاتجاه. ما نلاحظه أن ثمة اختراقاً في أكثر من مكان. القوى التي سمّته للموقع تضع أمامه سلة من الاسماء التي عليه أن يختار منها. ثم أن هناك مفاوضات، وتجاذبات حول بعض الأسماء، وحول بعض الحقائب.

ما الفارق هنا بين حكومة التكنوقراط والحكومة التكنوسياسية. لا نزال نأمل أن تكون حكومة المرحلة، لا حكومة شيوح القبائل، ولا حكومة شيوخ الطوائف.

لا غبار على دميانوس قطار. دماغ فذ، وشخصية رؤيوية، وأخلاقية راقية. لطالما راهنا عليه، ولا نزال نراهن عليه، وان صدمنا في احدى المقابلات خلال العام الفائت حين بدا الانحياز جليّاً لفريق دون آخر في النظرة الاستراتيجية للبنان. هل فعلاً لا يوجد مستقلون على الأرض اللبنانية ؟

الدولار يحلّق. القوة الشرائية تتآكل. الدولة تتآكل. هل من يقول لياجوج واجوج: اخلعوا قفازات مصاصي الدماء، واقنعة مصاصي الدماء، وانظروا الى الذين تحتكم...

الرعايا هم من يعضّون على... الصخر!!