تخشى الولايات المتحدة الأميركية على وجودها وقواعدها في دول المنطقة من الردّ الإيراني عليها بعد عملية اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس، وكان أوّلها الردّ على القاعدة الأميركية «عين الأسد» غرب العراق. وفي لبنان تداعى السفراء الأجانب لا سيما سفراء أميركا وبريطانيا وفرنسا الى جانب المنسّق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش الى قصر بعبدا وقبل ذلك الى وزارة الخارجية والمغتربين، كونها تخشى بأن تكون منظمات الأمم المتحدة أو سفاراتها هدفاً لأي ردّ إنتقامي من قبل إيران. وأثنوا في الوقت نفسه على موقف لبنان الذي أعلنه في بيان صدر عن الخارجية عقب اغتيال اللواء سليماني شدّد فيه على ضرورة النأي بالنفس عن أي انعكاس للأحداث وعدم استعمال لبنان كساحة لأي ردّ.

وكون أميركا هي المستهدفة الأولى من الردّ الإيراني، أكّدت أوساط ديبلوماسية مطّلعة أنّ السفارة الأميركية في عوكر أكثر ما تخشى على أمنها وعلى أمن طاقمها الديبلوماسي فيها سيما أنّ التهديدات الإيرانية أشارت الى أنّ الردّ الإنتقامي سيشمل أياً من المصالح الأميركية في دول المنطقة... ولهذا قامت السفارة إثر اغتيال اللواء سليماني بطلب تعزيزات أمنية، ومن المرتقب أن تصلها قوة عسكرية أميركية جديدة من نحو 500 جندي من إيطاليا بين ساعة وأخرى لمؤازرة القوة الحالية التي تحمي السفارة. كما فرضت على العاملين فيها اتخاذ أقصى تدابير الحيطة والحذر خلال تنقّلاتهم حفاظاً على سلامتهم.

وشدّدت الاوساط، في الوقت نفسه، على أنّ طلب السفارات باتخاذ إجراءات أمنية إحترازية قد بدأت تِباعاً منذ بداية الأحداث في لبنان أي الإنتفاضة الشعبية في 17 تشرين الأول الفائت، حتى اغتيال اللواء سليماني. وتقدّم السفارات طلب تعزيز أمنها عبر وزارة الخارجية كون جهاز أمن السفارات في لبنان يتبع للأمن الداخلي وله علاقة بدول الخارج الموجودة في لبنان، واشارت الاوساط الى ان الردّ الإنتقامي الإيراني بدأ سريعاً على قاعدة أميركية في العراق، لكنّه لن يكون الأول والأخير. ولهذا فإنّ إيران قد تتوسّع على القواعد الأميركية الموجودة في دول المنطقة، من العراق، الى اليمن، الى سوريا، أو سواها، ولا أحد يعلم حتى الآن ما اذا كانت أميركا تنوي الردّ على الردود. ولهذا فإنّ سفراء الدول الأوروبية دعوا الى ضرورة ممارسة أقصى درجات ضبط النفس لعدم جرّ المنطقة الى حرب شاملة سيما أنّ أي أزمة جديدة تُهدّد، بحسب رأيهم، جهود السنوات الماضية التي بُذلت من أجل استقرار العراق وبعض دول المنطقة. كما أنّ الأمم المتحدة أعربت عن ضرورة تحييد المنظمات التابعة لها في لبنان عن الإعتداءات الإيرانية لحماية سلامة الموظّفين والأفراد العاملين فيها.

وفي ما يتعلّق بموقف لبنان فهو يُشجّع دائماً على تغليب منطق الحوار وضبط النفس والحكمة لحلّ المشاكل بدلاً من استخدام القوّة والعنف في العلاقات الإقليمية والدولية، وهو موقف يتوافق مع مواقف الدول الخارجية، وتهدف الى تجنيب المنطقة تداعيات الإغتيال، ولا سيما لبنان الأكثر حاجة في الفترة الراهنة الى الإستقرار الأمني والسياسي لتأمين خروجه من الوضع الإقتصادي المتردّي الذي يُعاني منه.

وعن إمكان حصول حرب شاملة في المنطقة بسبب التهديدات الإيرانية والأميركية المتبادلة، تؤكّد الأوساط نفسها، أنّ أياً من أميركا وإيران لا تنوي جرّ المنطقة الى حرب كبيرة لا تُحمد عقباها، رغم تأكيد كلّ منها أنّه سيكون هناك ردود غير محدّدة التوقيت والمكان والأهداف. كما كشفت عن ان ثمّة توافقاً أو تفهّماً خارجياً للوضع اللبناني الحالي، والحاجة لتحييده عن الصراع الدائر وتجنيبه أي أضرار إضافية. لكن لا يُمكن بطبيعة الحال، معرفة مكان الأهداف الأميركية التي ستستهدفها إيران، أو ما سيكون عليه الردّ الأميركي على العمليات الإنتقامية.

وجزمت الاوساط أنّ ما يحصل من مواجهة بين إيران وأميركا لن يكون لبنان ساحة له، بحسب بعض التطمينات، كما أنّه لن يؤدّي الى حرب شاملة في المنطقة، غير أنّ المواجهة ستبقى مفتوحة على عدة احتمالات حتى إعلان كلّ من البلدين أنّ العمليات الإنتقامية المتبادلة قد انتهت بشكل نهائي بينهما، وجرى الإنتقال الى تسوية أو مرحلة جديدة من العلاقات بينهما.