من المفارقات والفراغ الذي تعيشه الساحة الداخلية اليوم وبلوغ الساحة السياسية ومعها الحراك الشعبي - رغم بعض المحطات المضيئة في هذا الحراك - وقبل ذلك وصل الحال في لبنان ومعه اوضاع كل اللبنانيين الى هذا الانهيار والى ما هو حاصل من «تشلع» في بنية الدولة ومؤسساتها واستحكام نظام المحاصصة المذهبية والفساد، ما حصل طوال اكثر من ثلاثين عاماً من سعي محموم من اجهزة السلطة وقواها السياسية المختلفة ما اوصل الى «تدجين» ووضع اليد على كل النقابات من نقابات المهن الحرة، الى كل النقابات والهيئات العمالية للمعلمين والاساتذة والاتحاد العمالي العام وكل القطاعات الاخرى، بما في ذلك الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية، و«الحبل على الجرار» في كل مرفق او قطاع معني بقضايا اللبنانيين وحقوق العمال والموظفين والفقراء.

ومن يستعيد تعاطي اهل السلطة منذ العام 94 وحتى لليوم، وفق مصدر نقابي مخضرم - يكتشف الكم الهائل من التدخلات والضغوط التي تعرضت لها كل قطاعات المهن الحرة والنقابات ورغم ان كل اللبنانيين على دراية كاملة بهذه التدخلات لكن الامر يحتاج الى الاطالة لعشرات المقالات وفق المصدر لتوضيح كل ما تعرضت له هذه النقابات من تدخلات وضغوط وترهيب وترغيب لمملأة اهل السلطة وقواها السياسية، ويكفي التوقف وكما يقول المصدر عند مسألتين اساسيتين:

1- ما حصل طوال السنوات الثلاثين الماضية بين قوى السلطة من تقاسم طائفي ومذهبي للقطاعات النقابية المختلفة، من نقابات المحامين والمهندسين والاطباء والاتحاد العمالي وكل القطاعات النقابية، وكان اخرها قبل سنتين من وضع «اليد» على هيئة التنسيق النقابية ونقابات المعلمين والاساتذة، ما اتاح لاهل السلطة واطرافها السياسية المختلفة تدجين كل هذه النقابات او تحريكها «عند الطلب» لغايات واهداف فئوية وحزبية ومذهبية كما هو حال القضاء، باستثناء قليلة جداً على غرار ما كانت تمثله هيئة التنسيق النقابية قبل تمكن السلطة من تدجينها، وما يمثله اليوم الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين، رغم الحصار والضغوط عليه الذي افضى الى تراجع دوره المحوري ضمن الاتحاد العمالي العام، وقد تكون البشاعة ما تعرض له رئيس الاتحاد العمالي السابق بشارة الاسمر من «عملية رجم» وصلت الى حدود التكفير لان لسانه استفاض في «زلة كانت في غير محلها»، ولكن يتبين ان المقصود مما تعرض له الاسمر اقصائه من رئاسة الاتحاد العمالي العام، لانه كان يقف في الحدود الدنيا مع حقوق العمال في مواجهة غطرسة اهل السلطة وحساباتهم الفئوية والمذهبية.

2- تواطؤ اطراف السلطة بكل مكوناتها من العام 94 وحتى اليوم، على تحجيم كل النقابات والاتحادات المختلفة، واستخدام كل الاساليب الفئوية والمذهبية لابعاد القيادات النقابية الحقيقية، بل انها لم تكتف بذلك بل عمد كل فريق وقوى سياسية الى استيلاء قطاعات لكن هذه المهن والاتحادات على اساس الولاء السياسي والمذهبي يسبح باسم الزعيم والمذهب ولا يهمه قضايا من يدعي تمثيلهم طالما ان المصالح الفئوية لهذا الفريق او ذاك الحزب في نقيض مع حقوق اللبنانيين وقطاعاتهم المختلفة، ولذلك جرى تدجين كل قطاعات المهن الحرة والنقابات، بدءاً من الاتحاد العمالي العام، وبدل ان تكون هذه النقابات والاتحادات هي القائدة الفعلية للدفاع عن الحقوق ومن اجل التغيير نحو الافضل اصبحت جزءاً من نظام الفساد والصراع على المصالح والحصص والمناصب.

ويلاحظ المصدر النقابي المخضرم ان الصورة السيئة، والدور السلبي لهذه النقابات والاتحادات تكشفت بشكل بشع مع بدء حال الانهيار قبل بضعة اشهر، وبخاصة مع انطلاق الانتفاضة الشعبية، حيث غابت وجرى تغييب هذه الاتحادات والنقابات من الحراك الشعبي، ومن المهمة التي يفترض ان تضطلع بها هذه القطاعات في احتضان وتبني المطالب المحقة للبنانيين، وفي قيادة الحال التغييرية نحو الافضل، وبالتالي لو كانت هذه الاتحادات والنقابات غير مدجنة ومطيفة وتحركها لصالح المذاهب والمحاصصة، لكانت اختلقت كل المعايير والاوضاع التي بلغها لبنان من انهيار ومن انقسام حاد مذهبياً وطائفياً، ولكان بالتالي هناك قيادة جدية للحراك الشعبي، ولكان بالامكان عدم وجود كل هذا الفراغ في التفتيش ليس فقط عن حكومة اختصاصيين وانما وجود شفافية في كل مرافق ومؤسسات الدولة، على الرغم من ان هناك الالاف شاركوا في الانتفاضة الشعبية ينتمون الى كل هذه القطاعات، ولكن بطريقة فردية، او لانتماء بعضهم لنقابات واحزاب خارج قوى السلطة، فيما بدا نقيب المحامين الجديد ملحم خلف مع عدد من اعضاء نقابية حيث تمكن من كسر هيمنة السلطة على هذه النقابة طوال اكثر من 30 عاما محطة مضيئة في تاريخ نقابة المحامين وكل النقابات الاخرى، حيث رفع منذ اللحظة الاولى لفوزه مهمة ابعاد السياسة عن القضاء وتسريع المحاكمات لالاف السجناء القابعين في السجون دون محاكمات، والاهم الدعوة «لقيام دولة عادلة»، بعد ان كان فاز النقيب جاد تابت لمنصب نقيب المهندسين من خارج ائتلاف احزاب وقوى السلطة ان الانتفاضة الشعبية ساهمت في تعزيز جبهة الرافضين لهيمنة السلطة على نقابة المحامين.

الا ان المصدر النقابي المذكور يقول انه كل ما تمثله هاتين المحطتين من مؤشرات ايجابية ومضيئة لكن تبقى الامور مرهونة باخراج الاتحادات والنقابات من هيمنة قوى السلطة، ومن القوانين والاعراف التي رسخها نظام المحاصصة والفساد في هذه الاتحادات والنقابات وفي كل مرفق وقطاع في الدولة، وهو ما يستلزم من القوى الحية والحريصة على اخراج لبنان من موبقات نظام الفساد والافساد. وفي الاساس الحراك الشعبي الذي يريد فعلياً اسقاط نظام المحاصصة المذهبية والفئوية وان تشكل تجربتي نقابتي المحامين والمهندسين دفعاً لكل النقابات والاتحادات ولكل المنتسبين اليها من اجل احداث تغييرات جذرية وجدية في بنية وتوجهات هذه النقابات والاتحادات لكي يتم تحريرها من هيمنة السلطة وتجبرها بوقف تدخلاتها، في كل تفاصيل انتخابات ودور هذه الاتحادات والنقابات على اختلاف تنوعاتها ومسؤولياتها.

من هنا، يلاحظ المصدر النقابي انه في ظل امساك قوى السلطة بهذه الاتحادات والنقابات وتخلفها من ان تكون هي المحرك والقائد للحراك الشعبي بدءاً من الاتحاد العمالي العام، على غرار الدور الطليعي تاريخياً للاتحاد، ولما يلعبه من ادوار تغييرية في معظم دول العالم بينما هو حصل في تونس ويحصل اليوم في فرنسا وغيرها، من المهم والاساس للحراك الشعبي الحقيقي وليس البعض الذين يتسترون بالحراك الشعبي لتنفيذ اجندات «غب الطلب» ومسؤولية كل القوى الحية والبعيدة عن هيمنة قوى السلطة ونظام المحاصصة ان يكون من اولوياتها تصحيح الحال الشاذة في كل هذه النقابات والاتحادات وان يتم الضغط على الحكومة المنتظرة حتى يكون هذا المطلب في اولوية مهامها وعملها، تصحيحاً لكل الموبقات والخطايا التي ارتكبتها كل الحكومات منذ العام 94 وحتى الامس القريب، او على نفس اهمية الاصرار على مكافحة الفساد والهدر واستعادة المال المنهوب.