إن «الثورةٍ» التي اجتمع حولها اللبنانيون الناقمون على الطبقة السياسية قبل أن يختلفوا حول خلفيّاتها بفعل الانهيار المالي والاقتصادي شبه الشامل الذي أصاب البلاد بشكل موجع وللمرة الاولى منذ الاستقلال وهذا الانهيار حصل فعلا من خلال التراكمات منذ أكثر من ثلاثين عاما تخلله إستباحة للمال العام وسرقة خزينة الدولة بمبالغ فاقت مليارات مشروع مارشال الذي أعاد بناء أوروبا ولكن بمبلغ أقل !

«المجهول» نفسه تنطلق منه رزنامة العام الجديد وسط استحقاقاتٍ بالجملة تنتظره، على رأسها الحكومة التي لا تزال «الضبابية» تسيطر على شكلها وطبيعتها، بعد سقوط كلّ تفاهمات الماضي القريب، في حين يراهن كثيرون على سقوطها قبل الولادة ، وإن كان المعنيّون يتوقّعون ولادتها في غضون أيامٍ قليلة إن لم تستجدّ «عوائق» في ربع الساعة الأخير، على جري العادة اللبنانية ، وتعتبر مصادر نيابية أن هناك علامات استفهامٍ بالجملة تُطرَح فهل يعبر لبنان مسافة معينة من الامان أم ينزلق الى حدود تهديد الكيان برمته لتقول انه مع بدء العام الجديد في لبنان، في وقتٍ تستمرّ الجهود لإنتاج حكومةٍ جديدةٍ يريدها رئيس الجمهورية ميشال عون كما رئيس الحكومة المكلّف حسّان دياب مختلفةً عن سابقاتها شكلاً ومضموناً وذلك حتى تكون على قدر المرحلة الجديدة التي أسّس لها الحراك الشعبيّ المستمرّ ولو نسبياً في الشارع، والذي أفضى إلى استقالة الحكومة السابقة، وتغيير المعادلات على الأرض، وفي السياسة بطبيعة الحال ، وإذا كانت التوقّعات تشير إلى أنّ الحكومة الجديدة لن تتأخّر قبل أن تبصر النور، باعتبار أنّها لا تملك «ترف» الانتظار لأشهرٍ طويلةٍ كما كان يحصل في السابق، خصوصاً في ضوء «الشلل» الذي تعاني منه حكومة تصريف الاعمال الغائبة عن السمع والنظر، فإنّ الأكيد أنّ التحدّيات التي تنتظرها أكثر من أن تُعدّ وتحصى، متى ولدت وبمعزَلٍ عن شكلها وطبيعتها، سواء كانت حكومة اختصاصيّين مستقلّين كما يصرّ رئيسها، أو حكومة لونٍ واحدٍ كما يرى الرافضون لتكليفه.

ومع تفاقم الازمات المعيشية والاجتماعية ووصولها الى الخط الاحمر يصبح من البديهيّ القول إنّ هذه المعالجة لا يمكن أن تتمّ وفق طريقة «المسكّنات» التقليدية والمستهلَكة لبنانياً، بل يجب أن تحصل وفق برنامجٍ إصلاحيّ واضح على الحكومة أن تحصل على الثقة بموجبه، تحت عنوان مكافحة الفساد فقط وصولاً إلى استعادة الاموال المنهوبة وتحرير يد القضاء من أيّ تبعيّةٍ سياسيّة مع عدم استبعاد فكرة أن تكون الحكومة لمرحلةٍ انتقاليّة، بحيث يكون من مهمّاتها الأساسية الإعداد لقانونٍ انتخابيّ جديد يؤسّس لمرحلة لبنان الجديد.

وتضيف هذه المصادر ان المكتوب سيُقرَأ من العنوان، وثمّة من يرى أن الحكومة التي «تُطبَخ» حالياً لن تكون قادرة على التصدّي لمثل هذه التحدّيات، خصوصاً أنّها تنطلق من أساس غير صلبٍ في ضوء معارضةٍ شرسةٍ تواجهها سلفاً ومع تطورات إقليمية خطيرة للغاية بعد العدوان الاميركي على العراق وإستشهاد قاسم سليماني وردة الفعل المنتظرة من الجانب الايراني ومحور الممانعة وأن هناك في الشارع السنّي من لم يستطع «بلع»رئيس الحكومة المكلّف حتى الساعة.

وثمة جانب اّخر من الازمة يتمثل بالانتفاضة في الشارع التي يرى كثيرون أنّها تراجعت في المرحلة الماضية بشكل لافت بعد دخول عوامل سياسية وحزبية الى أجندتها وسط تفاوتٍ في الآراء في شأن ما يمكن اعتبارها «مهلة» وُضِعت لرئيس الحكومة المكلّف لتبيان نواياه فإمّا يكرّس هذا العام مفهوم «الثورة» الذي يكاد يضيع في «الفوضى» وإما ينهيها عملياً، علماً أنّ محاولات الوصول إلى هذا السيناريو لم تتوقّف منذ انطلاقة الحراك، سواء من أحزاب السلطة الصامدة في مواقعها، أو حتى من حلفائهم من «ركّاب الموجة» إن جاز التعبير والمطلوب من قادة الانتفاضة إن تم إيجادهم التوجه فورا الى مراجعة نقدية وجدية لمستوى الاّداء والتصويب على أصل البلاء الحقيقيّ الذي يجمع كل اللبنانيين ألا وهو الفساد والسرقة بعيداً عن الشعارات التي قد يراها البعض نافرة أو الاستعراضات التي تبدو أبعد ما يكون عن فكر «الثورة» الذي يربطه أصلاً كثيرون بالعنف لا بالمبالغة في السلميّة والتي لا تسمن من جوع، خصوصا أن خيارات هذه الانتفاضة تبدو معدومة في غياب أي برنامج عمل أو ورقة إصلاحية تواجه فيه السلطة من ناحية وتقدمها للناس .

وتختم هذه المصادر رؤيتها لمستقبل البلاد بصورة قاتمة حيث ان السلطة ليس بمقدورها تقديم أي شيء في ظل إفلاس وإنهيار مالي كبير ولا الانتفاضة التي تتوزع على جملة من الرؤوس الحامية فيما الذين يحملون الرؤية الحقيقية يبدو دورهم مهمش الى حد بعيد!!