هل تقفل المصارف ابوابها مرة اخرى؟

هذا السؤال اصبح طرحه مشروعاً بعد التطورات الحاصلة في فروع المصارف في مختلف المناطق اللبنانية. من دخول المودعين اليها مطالبين بودائعهم المحجوزة لديها واستعانة البعض منهم بعناصر من الحراك للضغط على ادارات الفروع لاعطائهم مستحقاتهم حتى تحولت هذه القضية الى مهزلة من خلال اعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي مثل «عندك مصاري بالبنك وما قادر تقبضن، تأمين شباب يفوتوا معك عالبنك ويطالبوا بحقوقك، تأمين 4 اشخاص مع هتافات وتصوير 10 دولار للشخص، تأمين 6 اشخاص مع هتافات وتصوير مباشر وجلوس في البنك لمدة 4 ساعات 20 دولار، تأمين 10 اشخاص هتافات مع تصوير مباشر وجلوس في البنك لتحصيل المبلغ المطلوب 40 دولار للشخص». الى تهجم مباشر على المصارف كما حدث في حلبا، او احراق فروع كما حدث في رأس المتن او احراق الـATM في فرع الاعتماد اللبناني في ذوق مكايل، مما يعني ان قرار جمعية المصارف باقفال جميع فروع المصارف العاملة في منطقة عكار قد يؤدي في ظل الاضطرابات الى قرار باقفال كل الفروع في مختلف المناطق اللبنانية.

يضاف الى ذلك صدور بيان لاتحاد نقابات موظفي المصارف هدد فيه باعلان الاضراب المفتوح مجدداً في القطاع المصرفي الى حين عودة الاستقرار واجواء الهدوء الى اماكن العمل في فروع المصارف كافة على مساحة الوطن.

صحيح ان المودعين صدموا بالتدابير المصرفية الاستثنائية التي اتخذتها جمعية المصارف بالنسبة للسحوبات وهم كانوا يعولون على متانة وقوة القطاع المصرفي، وصدموا اكثر ما كان يسمع عن انتقال اموال الى الخارج وهم بالكاد يحصلون على مئة دولار اميركي من ودائعهم، حتى ان نقيب المحامين اعتبر انه اذا كان ثمة من مبرر، وفقط في حال وجود مبرر جدي وحقيقي، لاجراء اي قيود على حركة السحوبات والتحاويل المصرفية «تداركا» لتهافت او انهيار مفترض، فانها ليست من اختصاص جمعية المصارف التي هي جهاز نقابي للمصارف ولا تشكل سلطة دستورية على المودعين ولا يحق لها اساساً القيام بهذه الاجراءات غير القانونية والاستنسابية والتعسفية مستغربين هنا سياسات المصرف المركزي بهذا الصدد. مطالبين بوقف هذه الاجراءات غير الدستورية وغير القانونية فوراً والامتناع عن فرضها مجدداً.

حتى ان نائب حاكم مصرف لبنان السابق محمد بعاصيري تحفظ على بعض ادارات المصارف التي سببت عدم الثقة بين المودعين من خلال اعتمادها على تحويلات انتقائية الى الخارج.

هذه المؤشرات تدل على ان القطاع المصرفي اصبح في حالة استنزاف وسط استمرار الضبابية السياسية وعدم الاسراع في تشكيل الحكومة الجديدة حيث ما زال السياسيون يعتمدون نظام المحاصصة في الوقت الذي اصبح فيه لبنان عارياً اقتصادياً ومالياً، خصوصاً مع تكاثر الاحتجاجات والتعديات على فروع المصارف لان المودعين يطالبون باموالهم المحجوزة فيها، بينما المطلوب التأكيد على ضرورة ان يتولى القضاء التحقيق في كل الاخبارات التي لها علاقة بعمل القطاع المصرفي والاسراع في اصدار الاحكام على كل من تعدى على المال العام واموال المودعين، والثابت الوحيد ان هذا القطاع الذي كان العمود الفقري للاقتصاد الوطني اصح محط عدم ثقة بعد استهلاكها خلال الشهرين الماضيين.

واذا كانت جمعية المصارف قد اتخذت قراراً باقفال فروعها في عكار، فان لا شيىء يمنعها من تعميم الاقفال في كل لبنان اذا استمرت التعديات والاحتجاجات من قبل المودعين والحراك الشعبي ولا شيىء يمنع اتحاد نقابات موظفي المصارف من تنفيذ تهديده بالاضراب المفتوح كما فعل في المرة الاولى عندما تعرض الموظفون لمضايقات شتى، لكن رئيس الاتحاد جورج الحاج اصر اكثر من مرة خلال الحديث معه على عدم الاضراب يوم الثلاثاء او يوم الاربعاء رغم تشديده على خطورة الوضع في القطاع المصرفي وتأكيده على وجود ازمة سيولة في القطاع.

لكن الحاج يؤكد انه في حال استمرار «البلطجية» في تهديد الموظفين وفي عراضات البعض، فان المجلس التنفيذي للاتحاد سيعاود اجتماعاته ويقرر ما هو المناسب للموظفين خصوصاً اننا اجتمعنا مع مدير عام قوى الامن الداخلي واتفقنا على اجراءات سريعة تمنع هذا التطاول على موظفي القطاع المصرفي وفي المقابل يجب على مدراء المصارف تحمل مسؤولياتهم وطلب مساندة قوى الامن الداخلي.

واكد الحاج ان المودعين لهم حقوق في المصارف ولكن هناك مجموعات اصبحت معروفة عملتها مصلحة مع هؤلاء المودعين والا ما معنى ما يجري اليوم في هذه الفروع؟

ورفض الحاج القول انه ينفذ اجندة جمعية المصارف قائلاً: انا لا ادار «بالريموت كونترول» وبالتالي فانني اريد المحافظة على حياة وامن الموظفين في القطاع المصرفي وبالتالي اؤكد ان لا اضراب غداً او بعد غد، مناشداً القوى الامنية حماية موظفي المصارف في اماكن عملهم من تجاوزات من يدعون بانهم ثوار على الفساد وهدر المال العام. وان حال الفوضى التي احدثتها هذه الهجمات المنظمة على فروع المصارف لن تخفف من معاناة المودعين الذين من حقهم الاعتراض حسب القوانين المرعية الاجراء على هذه التدابير الاستثنائية التي اتخذتها ادارات المصارف مؤقتا حفاظاَ على استمرارية عمل القطاع المصرفي وتفادياً من السقوط في المحظور.

وكانت جمعية المصارف قد اتخذت تدابير استثنائية للحد من السحوبات خصوصاً بالدولار الاميركي تجنباً للاسوأ في ظل حالة «الهلع» التي تنتاب المودعين وعدم وجود اي مسؤول يطمئنهم باستثناء حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة الذي يتحمل اعباء ليس هو المسؤول عنها ويحاول بشتى الطرق المحافظة على القطاع المصرفي بانتظار ما ستؤول اليه تأليف الحكومة العتيدة.

القطاع المصرفي هو اليوم بحالة لا يحسد عليها، فعلى الرغم من اتخاذه تدابير استثنائية فما زال هو المحرك لمختلف القطاعات الاقتصادية، من جهة لا يمكنه الاقفال مجدداً نظراً لدوره ومن جهة ثانية لا يمكنه الاستمرار وسط التعديات والاحتجاجات التي تتكاثر يوماً بعد يوم وهو يعلم علم اليقين انه غير قادر على تأمين السيولة اللازمة للمودعين بسبب استثمار اموال المودعين في سندات الخزينة للدولة اللبنانية بالليرة اللبنانية والدولار الاميركي وتسييلها غير ممكن لانها محكومة بآجال محددة. وان السعر السوقي لهذه السندات مخفض جداً في هذه الظروف مما يعرض المصارف لخسائر في حال تم عرض هذه السندات للبيع. علماً ان الوضع لا يسمح باستعمال هذه الطريقة.

وتقف المصارف اليوم امام خيارات صعبة اولاً في كيفية استعادة الثقة التي بنتها طول السنوات الماضية واستعادة ثقة المودع الذي سارع الى سحب ودائعه ووضعها في «عب منزله». وفي كيفية تأمين زيادة رأسماله حسب تعميم مصرف لبنان خصوصاً ان اكثر من مصرف اعلن عن زيادة رأسماله بينما هناك مصارف غير قادرة على ذلك وبالتالي كيف ستواجه هذه المشكلة التي تؤمن حوالى الملياري دولار اولاً ومليارين في نهاية حزيران.

يبقى القول ان رئيس جمعية المصارف الدكتور سليم صفير كنا قد اعلنا عند انتخابه رئيساً للجمعية انه يحمل كتلة من نار ولكننا لم نعتقد ان هذه الكتلة ستحرق القطاع وان يصل الى ما وصل اليه لا يمكن ان يتوقعه القطاع وبالتالي فان صفير ملزم اليوم باعادة الثقة الى القطاع وان يضع البوصلة حيث يجب ان تكون بالتصويب على السياسيين الذين هم اصل البلاء وهم الذين اوصلوا البلاد والقطاع المصرفي الى هذه الهاوية والتراجع.