تتفاقم المشاكل بين كل فئات الموظفين في القطاعين العام والخاص مع المصارف واصحابها، ومعهم تتفاقم ايضاً الازمات بين المودعين الصغار والمصارف ومافياتها، على خلفية الاجراءات التي اتخذها القطاع المصرفي بتواطؤ من حاكم مصرف لبنان بتقنين مسحوبات كرواتب الموظفين والمودعين، ليس فقط بالدولار التي وصلت الى مائة دولار اسبوعياً، بل بالليرة اللبنانية ما ادى الى فوضى وصفوف طويلة لدى المصارف وفروعها واشكالات بين المواطنين والموظفين، في ظل تمنع المصارف عن دفع الرواتب لمستحقيها، والتمنع عن اعطاء المودعين ما يحتاجونه من سحوبات بالدولار والليرة اللبنانية.

وقد افضت هذه الاجراءات من جانب المصارف الى حصول اشكالات في عدد كبير من المصارف بين اصحاب الحقوق وفروع المصارف، وصلت في كثير من الفروع الى حصول تضارب بالايدي والى احتجاجات من جانب الانتفاضة الشعبية، وكل ذلك ادى الى لجوء جمعية المصارف الى الاضراب المفتوح في فروعها في محافظة عكار، وعلى تهديد نقابة موظفي المصارف الاعلان بالاضراب العام في حال استمرار الاشكالات، واضطرار المودعين والموظفين الى التعاطي بسلبية مع موظفي المصارف.

واذا كانت هذه الاجراءات الظالمة التي اتخذتها المصارف بحق المودعين والموظفين الذين يحتاجون الى سحب رواتبهم لحاجاتهم اليومية الضرورية، لا يتحمل مسؤوليتها الموظفون، على اعتبار ان موظفي المصارف ينفذون ما وصلهم من قرارات من جانب اصحاب المصارف المغطاة من مصرف لبنان وحاكمه، فهذه الاجراءات هي اجراءات غير قانونية، ما دفع القضاء للاخذ باكثر من دعوى رفعها مودعون للحصول على مبالغ نقدية بالدولار لدفع اقساط ابنائهم، بما ان نقيب المحامين ملحم خلف اكد انه لا يحق لاصحاب المصارف التمنع عن دفع الحقوق لاصحابها، والغريب في بيان جمعية المصارف دعوتها لاقفال فروع المصارف العاملة في منطقة عكار انها تعتبر ما تتعرض له فروع المصارف في بعض المناطق من تعديات وانتهاكات تخالف القوانين وتتعارض مع كل التحركات والطروحات الاصلاحية المشروعة..!

ومن هنا، يستغرب احد الخبراء الماليين لجوء جمعية المصارف الى هذا القرار العشوائي باغلاق فروع المصارف في منطقة عكار وترى بما يقوم به المودعون من مطالبات بحقوقهم تعديات وانتهاكات تخالف القوانين المرعية، ويقول الخبير المالي ان ما يقوم به المودعون، ولو ان ينتج عنه اشكالات مع الموظفين، لكن ما ادى ويؤدي الى هذه الفوضى والاشكالات السياسات المالية والنقدية التي اعتمدتها المصارف ومصرف لبنان طوال السنوات الماضية عبر التصرف بودائع الموظفين بالاستدانة للحكومة وسندات للخزينة بفوائد عالية، وقروض مختلفة، لكن لجوء المصارف في الاشهر الاخيرة لفتح المجال امام المستفيدين واصحاب الرساميل الكبيرة لتهريب اموالهم للخارج هي الخطوة التي افضت الى التداعيات السلبية في موضوع السحوبات بالدولار والليرة اللبنانية وهي بمثابة «الشعرة التي قصمت ظهر البعير»، حيث ادى ذلك الى فقدان السيولة بالدولار في مقابل لجوء مصرف لبنان بالاتفاق مع جمعية المصارف الى تقنين السحوبات بالليرة اللبنانية، حتى لا تغرق السوق بالعملة الوطنية ما سيؤدي الى رفع اسعار الدولار الى مبالغ خيالية اكثر بكثير مما بلغه اليوم، ولو ان التقديرات - بحسب الخبير المالي - ان سعر صرف الدولار يتجه نحو مزيد من الارتفاعات اذا لم يسارع مصرف لبنان وجمعية المصارف ومعهم الحكومة الجديدة باتخاذ اجراءات سريعة تعيد بعض التوازن الى السوق على المستوى النقدي، ما يخفف الطلب الكبير على الدولار ويؤكد الخبير المالي ان كل ما تطالعنا به من مواقف تبريرات اصحاب المصارف ومعهم جوقة كبيرة من المنظرين لما يسمى «حق المودعين بتحويل ودائعهم الى الخارج» مهما كانت كبيرة على اعتبار ان ذلك يضمنه القانون، في حال عدم وجود شبهات حول مصدر هذه الاموال وما اذا حصل عليها اصحابها بطرق غير شرعية او ما شابه.

واذا كان القانون يسمح للمصارف والمودعين بتحويل ودائعهم او اي مبالغ مهما كانت كبيرة الى الخارج، فكيف يحق لاصحاب المصارف اللجوء الى تحويل ما لا يقل عن ثلاثة مليارات دولار الى الخارج فيما اخرون يتحدثون عن ان هذه المبالغ قد تصل الى 11 مليار دولار، طالما ان هذه المصارف ومعهم مصرف لبنان على دراية كاملة بما عليه الوضع المالي النقدي في المصارف والخزينة، وطالما ان تحويل هذه المبالغ الضخمة سينتج عنه تداعيات خطيرة على المستويين المالي والاقتصادي داخليا، وفي الدرجة الاولى وضع ضوابط مشددة على سحب المودعين الصغار لمبالغ بسيطة لحاجياتهم، وحاجات عمليات الاستيراد من الخارج، ويشير الخبير المالي انه اذا صحت المعلومات عن تحويل 11 مليار دولار من شخصيات وحيتان المال لا يزيدون عن بضعة عشرات من الاشخاص وبالتالي ما ينتج عن ذلك من مخاطر على الودائع الصغيرة الى تحويل بحدود ثلاثة مليارات دولار وهو ما يعادل حصول 22 مليون مواطن على مبلغ 500 دولار لكل منهم، فهذا شبيه بالبلطجة بحق المودعين الصغار والموظفين، حتى في حال كانت كل هذه التحويلات لا تشوبها شائبة، في وقت تؤكد كل المعلومات التي يجري تداولها على مستوى المطلعين داخلياً ولدى أكبر وسائل الاعلام العالمية أن هناك مليارات من الدولارات المشبوهة جرى تحويلها للخارج.

ولذلك يؤكد الخبير المالي ان على المصارف ومعهم مصرف لبنان التحرك سريعاً لاتخاذ الاجراءات التي تتيح للمودعين الصغار الحصول على مبالغ معقولة، انطلاقاً من قيام هذه المصارف باعادة اموالهم التي وضعت في مصارف خارجية، كما ان على الحكومة الجديدة ومعهم الجهات المعنية التحرك لجملة خطوات سريعة تعيد بعض الثقة الى السوق المالية والنقدية وبما يطمئن المودعين الصغار على حقوقهم من خلال الاتي:

1- محاسبة المسؤولين في المصارف وغيرها الذين اوصلوا السوق النقدية الى هذا الوضع، وبخاصة تعمّد تحويل مليارات الدولارات الى الخارج حتى لو كانت أموال لا يشوبها اي شائبة، في وقت لا يحق للمواطن الحصول على مبالغ بسيطة من وديعته وامواله.

2- المسارعة الى تجميد التحويلات الى الخارج وتلك الموجودة في المصارف وتدور حولها شبهات، ليصار بعد جلاء الحقيقة لاعادتها الى الخزينة او الافراج عنها.

3- الزام اصحاب الودائع الكبيرة المحولة الى الخارج باعادة جزءا من اموالهم، خصوصاً ان هذه التحويلات يعرفها مصرف لبنان، أو أنه سيكون على معرفة كاملة بها خلال وقت قصير في ضوء التحقيقات الجارية اليوم.

في واقع الحال، يتحدث الخبير المالي انه رغم لجوء المصارف الى اعتماد «كابيتال كونترول» في السحوبات داخل لبنان بما في ذلك للمودعين الصغار، لكن ما يجري تداوله عن توجه للمصارف للاقفال لفترة غير محددة خلال اسبوعين او ثلاثة يحمل الكثير من المؤشرات الخطيرة، حتى ولو جرى تغطية الاقفال بالاشكالات التي تحصل في فروع المصارف، وانما الخلل من وراء هذا التوجه احتمال فقدان السيولة بالدولار، ما يحدث ازمة أوسع واخطر على المستويين المالي والنقدي اكثر وأبعد مما هو قائم اليوم.