ألم يكن الايرانيون يعلمون أن الاستخبارات الأميركية موجودة في وزارة الدفاع العراقية، وفي هيكلية الحشد الشعبي، وفي الاجهزة المهلهلة حيث الكوكتيل العجيب من الولاءات والانتماءات؟

ما حدث ليس هوليودياً كما عملية اغتيال اسامة بن لادن، أو كما عملية اغتيال أبي بكر البغدادي.هذا قاسم سليماني، رجل التخطيط الفذ، ورجل الميدان الفذ...

هل نبالغ اذا قلنا ان ايران ما بعد غياب قاسم سليماني هي غير ايران ما قبل غياب قاسم سليماني؟ المواقف تفاوتت.آية الله خامنئي «انتقام عنيف ينتظر القتلة». روحاني «الاغتيال سيجعل ايران أكثر حسماً في مقاومة الولايات المتحدة». وزير الدفاع «سيكون انتقامنا صاعقاً». وزارة الخارجية استدعت رئيس البعثة الديبلوماسية السويسرية التي ترعى المصالح الأميركية... للاحتجاج.

النظام في ايران أمام اختبار كبير.ماذا كان سليماني يفعل في ذلك المكان بالذات، وفي ذلك الوقت بالذات؟ الأميركيون يقولون أنه كان يخطط لتنفيذ ضربات ضدهم، ربما لاجتثاثهم من العراق الذي لن يتخلوا عنه في حال من الأحوال هذا بعدما أدت التظاهرات الى تقويض المساكنة الأميركية ـ الايرانية على أرض الرافدين.

المعادلة سقطت كلياً. حائكو السجاد يتقنون لعبة الأعصاب مثلما يتقنون لعبة الأدمغة.النقطة الحساسة هنا أن العملية بدت وكأنها اغتيال للكثير مما حققه آيات الله، جيوسياسياً، في أرجاء المنطقة. هذا رجل قلّ نظيره حتى على مستوى التأثير السيكولوجي.الرجل الذي لا يقهر. الذي لا يشاهد بالعين المجردة. قتل ذات ليل، وفي بغداد.

مرة أخرى، ألم يكن الايرانيون يدركون مدى الاختلال في البنى العراقية كافة ليدفعوا برجلهم الذهبي الى الموت؟ بعد الآن، الكلام الكثير عن ان الحشد الشعبي ليس سوى حصان طروادة داخل المؤسسة العسكرية العراقية.

أكثر من ذلك، لامجال للثأر عبر سوريا، ولا عبر لبنان. العراق قد يكون المكان الذي كتبت عليه كل تلك الآلام. لنظام ضرب في القلب، أو في الرأس.الدول الثلاث في حال يرثى لها من التصدع، ولا تحتمل جنون دونالد ترامب الذي قد يكون قد أكمل نصف الشوط نحو الولاية الثانية الا اذا عرف الايرانيون كيف يثأرون. المنطقة تضج بالقواعد وبالبوارج.

هم هددوا بذلك. ولكن، هذا ليس وقت الرؤوس الملتهبة. الايرانيون براغماتيون رغم الخطأ الذي حدث في توجه سليماني الى بغداد في ظل الاستنفار الأميركي بغية التخطيط للرد على الغارة الأميركية على الحشد الشعبي.لا بد من التفكير على طريقة جبل الجليد لأن تداعيات أي عملية عسكرية يمكن أن تكون كارثية.الحصار البحري على ايران ليس مستبعداً.

المشهد قد يأخذ هذا المنحى : من يخرج من العراق الأميركيون أم الايرانيون؟ لا داعي لوصف ترامب بهولاكو القرن.هذا هو البيت الأبيض قبل ترامب وبعد ترامب الشرق الأوسط محظية أميركية منذ حرب السويس والى الأبد.

المعلق الأميركي فريد زكريا قال «كما لو أن الله اختار هذه المنطقة لتكون نسخة عن الجحيم.لا اشارات تشي بالقيامة».

كل العرب تقريباً داخل الحظيرة.حدقوا في الخريطة وحدقوا في العروش. لا حدود للمعاناة لدى كل من يناوئ الأمبراطورية.العقوبات أشد وقعاً من العقوبات التي توعدت بها النصوص المقدسة.الجحيم في حضرة الاله الأميركي.

في ذروة الحديث عن قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران اغتيل قاسم سليماني. هل كان، فعلاً، العقبة الكبرى في وجه المفاوضات وتمت ازالته أم أننا أمام حقبة زلزالية على امتداد المنطقة؟

ايران ليست وحدها التي تزعزعت.الشرق الأوسط كله يستشعر الأهوال.في لبنان، مصيبتنا الكبرى في الصراع على المقاعد وعلى الحقائب.ما هو وزن تلك الطبقة السياسية ان في لعبة الأمم أو في لعبة القبائل؟