وسط تواتر المعلومات عن احتمال ولادة الحكومة خلال ساعات أو أيام قليلة، فالسؤال الأكثر الحاحاً الذي ينتظر اللبنانيين جواباً عليه، يتصل بقدرة الحكومة الجديدة على مواجهة الانهيار الذي ضرب كل مؤسسات ومرافق الدولة، وبخاصة ما يتعلق بالاوضاع النقدية والمالية والحياتية؟

والواضح - وفق وزير سابق ان ما ينتظر هذه الحكومة استحقاقات ضخمة وتطال كل مقومات البلاد والحؤول دون سقوط البلاد في الهاوية، بل ان هذه الحكومة والوزراء الذين سيشاركون بها امام مسؤوليات استثنائية وسيكونون في «وضع لا يحسد» عليه، نظراً للواقع المأزوم الذي لم تشهد البلاد مثيلاً له في تاريخها حتى خلال كل الاحداث الكبرى التي عاشها لبنان، منذ الحرب العالمية الاولى وحتى اليوم.

لذلك، يقول الوزير السابق ان الحكومة ومعها القوى السياسية التي ستشارك فيها هم امام امتحان صعب، فالقدرة على إخراج البلاد من واقعها المأزوم يحيط به عثرات وعقبات ومتاريس سياسية داخلية وخارجية، اضافة الى كارتيلات ضخمة سياسية ومافياوية ستعمل لافشالها لاسباب واهداف مختلفة، أولها ان بعض القوى السياسية التي تعارض مسار عملية التكليف والتأليف تجد نفسها اكبر الخاسرين، في حال نجاح الحكومة، ومن يغطيها سياسياً في اخراج البلاد من ازماتها، وثانيا، هناك المافيات وكل الذين استفادوا من نظام المحاصصة الطائفية والمذهبية، والفوضى والفلتان التي استحكمت بعمل واداء كل مؤسسات ومرافق الدولة، بدءاً من اداء مجلس الوزراء ومعظم الوزراء الذين تعاقبوا على السلطة، ومن خلفهم كل الازلام والمستفيدين من الصفقات والتنفيعات في كل ما له علاقة بالدولة ومرافقها ومؤسساتها، فهؤلاء تمكنوا من جمع ثروات ضخمة، وبالتالي لن يسلموا بسهولة بسقوط امبراطورياتهم المافياوية، ومنها احتمال ملاحقة أصحاب الثروات غير المشروعة.

ويعيد الوزير السابق الى الاذهان ليس فقط ما حصل طوال 30 عاما من النهب والمحاصصات وانما ما حصل في السنوات الاخيرة، وتحديداً بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية وتشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري المستقيلة، حيث تفاقمت عمليات النهب والمحاصصة، فيما اسقطت في المقابل بعض المحاولات الخجولة للاصلاح، ومحاسبة بعض الاسماء المتورطة بهدر المال العام، حتى أن كثير من الوزراء مسؤولين عن مرافق اساسية، أوغلوا في هدر المال العام، كما كان يحصل في وزارة الاتصالات ومعها شركتا الخليوي، ومرفأ بيروت ومجلس الانماء والاعمار وتنفيعات غياب ملايين الدولارات في الموازنة وغيرها، وهذا السلوك ساهم فيه معظم القوى السياسية المعارضة اليوم لتكليف الرئيس المكلف حسان دياب، او بعض القوى التي أيدت تكليفه.

انطلاقاً من ذلك، وما يحيط بعملية التأليف من اعتراضات لكل من تيار المستقبل والقوات اللبنانية والحزب الاشتراكي من جهة، وما يجري من عملية محاصصة في توزيع الاسماء والحقائب من جهة ثانية، هل أن في امكان الحكومة الجديدة مواجهة الانهيار الشامل؟

في معطيات الوزير السابق ان حملة واسعة من الوقائع الداخلية والخارجية تؤشر الى ان ما ينتظر الحكومة أشبه بتحقيق المستحيل او العملية الانتحارية، ولو ادت مقتضيات الواقع المأزوم تفترض اعطاء الحكومة فرصة لبضعة أشهر، قبل الحكم عليها، وعلى ادائها، لذا يشير الوزير السابق الى ان من اكبر المتاريس والعقبات التي تواجه عمل الحكومة عشرات المطبات ولو ان أهمها الاتي:

1- ما يحصل على مستوى عملية التأليف من عودة لتقاسم الحصص على مستوى الاسماء والحقائب، حيث ان كل ما وصلت الىه البلاد جراء منطق المحاصصة، لم يقنع المعنيين بعملية التأليف بأن التمسك بهذا السلوك والاداء كان السبب الاول لما حصل في الدولة ومؤسساتها من تناتش وتعطّل لكل مرافق الدولة بعد أن أصبح كل مرفق محمية لفريق سياسي وكل وزير يتصرف في وزارته بما يتلاءم مع مصالح الجهة السياسية التي ينتمي اليها، بل منعت المحاسبة والاصلاح في ظل الحصانات المذهبية والسياسية لأي مسؤول من اعلى المستويات الى أدناها، كما ان هذا المنطق في تقاسم الحصص مغاير لما تتحدث به القوى السياسية المعنية بعملية التأليف من نية في الاصلاح وتغيير الذهنيات والسياسات التي كانت متبعة في السابق، وكانت السبب الحقيقي لما وصلت اليه البلاد، يضاف الى ذلك ان هذا المنطق لا يستجيب لابرز مطالب الانتفاضة الشعبية، على الاقل باشراك اسماء وشخصيات من خارج الاطراف التي شاركت في الحكومة خلال العهود الماضية.

2- اذا كان التأليف قاعدته المحاصصة، فما طرحه رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط واخرين من دعوة لتمثيل حقيقي للطائفة الدرزية، واعطاء حصة لجنبلاط، اذا ما كان يرغب المشاركة في الحكومة مباشرة، أو بأحد الأسماء من الاختصاصيين، طالما الامور تسير في عملية التأليف كما يقول المثل «عالسكين يا بطيخ».

3- الاعتراضات الحادة على التكليف والتأليف من جانب كل من تيار المستقبل والقوات اللبنانية والنائب السابق وليد جنبلاط، رغم ان الاخير يتعاطى مع تكليف دياب وعملية التأليف على قاعدة «رجل في البور واخرى في الفلاحة».

الا ان الوزير السابق، يلاحظ بأن تيار المستقبل ورئيسه الذي يتعاطى مع التكليف والتأليف على قاعدة «عنزة ولو طارت» بمعنى ان الحريري لن يألو اي وسيلة بما في ذلك التجييش الطائفي والمذهبي وتحريض المقامات الدينية على الرئيس المكلف بهدف افشاله قبل انجاز التأليف، او ما بعد التأليف، والحصول على ثقة مجلس النواب.

واذا، يدعو الوزير السابق لترقب ما يتوقع ان يصدر اليوم عن اجتماع المجلس الشرعي الاعلى برئاسة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، وما ينتظر ان يصدر عنه من موقف حول تكليف دياب، حيث على اساسه سيتحدد مسار الموقف لدار الفتوى من التكليف، وفي حال كان الموقف سلبياً، فهو نوع من الضوء الاخضر لانتصار تيار المستقبل بتصعيد تحركهم في الشارع، ورفع وتيرة التحريض المذهبي. ويؤكد الوزير السابق ان ما حصل في الساعات الماضية من محاولات لقطع الطرقات من جانب أنصار القوات اللبنانية في نهر الكلب وما حصل في الأيام الماضية في مناطق الثقل الشعبي لتيار المستقبل، خاصة في الشمال بالتوازي مع تحرك جهات متضررة من تكليف دياب يشير الى محاولات لتحريك الشارع مذهبياً وسياسياً في وجه الرئيس المكلف، على وقع محاولات من يسموا انفسهم «ناشطين» في طرابلس وغيرها القيام بنشاطات مشبوهة.

4- ما طرأ على المستوى الاقليمي بعد الجريمة التي ارتكبها الطيران الأميركي في العراق وبقرار مباشر من الرئيس دونالد ترامب وصلت الى حد اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني اللواء قاسم سليماني، بالتوازي مع توجهات داخل كيان العدو الاسرائيلي لتصعيد الوضع في لبنان، كل ذلك سيعقّد من مهام الحكومة وقدرتها على مواجهة ما ينتظرها من ملفات كبرى، خصوصاً في حال وجود «فيتوات» أميركية وغربية وخليجية على التشكيلة الحكومية.

ورغم ذلك، يلاحظ الوزير السابق، انه رغم كل هذه العقبات والعثرات التي تواجه الحكومة، في استطاعتها في حال وجود جدية من جانب الاطراف السياسية التي ستشارك فيها باتخاذ اجراءات جذرية واساسية تتناسب مع عمق الازمة وحدتها، بدءاً من الملفين المالي والنقدي، وليس العودة الى «التناتش» والتعطيل، كما كان يحصل في الحكومة السابقة، وسيكون البيان الوزاري للحكومة مؤشراً أولياً لمدى الجدية والجذرية في آن معاً، لدى الحكومة والاطراف السياسية المعنية.