وزراء غير «استفزازيين» و«حصّة» نسائيّة وازنة... والقضاء يتحرّك في ملف التحويلات الماليّة

باريس تشجّع على التاليف السريع خوفاً من التطوّرات «المقلقة»... ونصائح بعدم الرهان على واشنطن

ابراهيم ناصرالدين

اذا تم تذليل ما تبقى من عقبات «بسيطة» من «طريق» رئيس الحكومة المكلف حسان دياب، فيمكن الرهان على ولادة الحكومة اليوم او خلال الساعات الاولى للعام الجديد على ابعد تقدير، بعدما قدمت الاغلبية النيابية ورئاسة الجمهورية كل التسهيلات المطلوبة لانجاح مهمته، وبات الاتفاق ناجزا على عدم عودة اي من الوجوه الوزراية القديمة الى الحكومة التي ستكون من وزراء «التكنوقراط» الذين سيتركون ارتياحا على الساحة الداخلية ولدى الخارج، وسط نصائح فرنسية بالاستعجال في التأليف استباقا للتطورات السلبية في المنطقة والتي بدأت تطل «برأسها» من العراق...

فعلى وقع عودة انصار تيار المستقبل لقطع الطرقات، كان رئيس الحكومة المكلف حسان دياب يكثف اتصالاته، واصلا الليل بالنهار، رغبة منه في تقديم عيدية للبنانيين، ووفقا لمصادر سياسية مطلعة، لم يكن قد تبقى حتى ساعات متقدمة من الليل سوى «عقد بسيطة» يمكن تجاوزها، بعدما استجابت قوى الاغلبية النيابية لمطالب الرئيس المكلف باستبعاد الوزراء السابقين، وفيما يجري التكتم عن اسماء الوزراء في الحكومة لعدم «حرق» «الطبخة» فان ما توافر من معلومات يشير الى ان الحصة النسائية ستكون 7 وزيرات، والبحث جار عن اسم لوزيرة تتولى حقيبة الاتصالات، فيما يتم حسم اسم وزير الداخلية من بين 3 اسماء ومن المرجح ان يكون عميداً متقاعداً من عكار، كما تم الاتفاق على تسمية رجل الاعمال غسان العريضي الذي لا يشكل اي استفزاز للحزب التقدمي الاشتراكي بل هو على علاقة جيدة مع النائب السابق وليد جنبلاط.. فيما بات محسوما تسمية نقيبة المحامين السابقة امل حداد نائبة لرئيس الوزراء... وتم التفاهم ايضا ان تقتصر الحصة المسماة من قبل التيار الوطني الحر على اربعة وزراء مسيحيين فقط.. فيما سيتم تمثيل تيار المردة، واللقاء التشاوري..

} هل تولد الحكومة اليوم..؟ }

وفي هذا السياق، ثمة محاولة جدية لتشكيل الحكومة قبل رأس السنة حيث ينوي الرئيس ميشال عون توقيع مراسيمها اذا امكن قبل ان يأخذ اجازة العيد لمدة ثلاثة ايام يمضيها مع العائلة، فتنال بذلك غطاء دستوريا لتصريف الاعمال في نطاق ضيق بدل الحكومة الحالية برئاسة الرئيس المستقيل سعد الحريري الموجود في فرنسا، على ان يبقى التصويت على الثقة الى بعد انتهاء عطلة الاعياد...

ووفقا لاوساط سياسية مطلعة، فان الاتفاق قد حصل بين «الثنائي الشيعي» «والتيار» بان لا تضم التركيبة الحكومية وجوها قديمة من الوزارة السابقة، وكشفت ان لقاء جمع مساء امس دياب مع المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب الوزير علي حسن خليل ومعاون الامين العام لحزب الله حسين الخليل، وتم عرض الاسماء التي سيتم توزيرها في الحكومة العتيدة وقد جرى التخلي عن الوزيرين جميل جبق وحسن اللقيس. في المقابل وافق رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ايضا على التخلي عن الوزير سليم جريصاتي.. وكذلك لم يعد اسم وزيرة الطاقة ندى البستاني مطروحا من قبل «التيار الوطني الحر»..

} تفهم متبادل بين «الشركاء».. }

وتلفت تلك الاوساط، الى ان هذا التجاوب مع دياب جاء ردا على تفهمه لطبيعة الاسماء المطروحة للتوزير، فهو تخلى عن نظرية الحياديين المستقلين غير الحزبيين، وبتنا امام حكومة تضم وزراء من التكنوقراط، لكن تثق بهم الكتل النيابية التي ستمنح الحكومة الثقة، وهناك تجاوز واضح لمقولة الخضوخ للاحزاب السياسية خصوصا ان الوجوه الجديدة ستكون جديرة بالثقة.

} دياب لن «يتراجع»... }

وفي هذا الاطار، تشير تلك الاوساط الى ان دياب ابلغ من زاروه انه استطاع تجاوز الاعتراض السني، ونجح بضم اسماء وازنة الى الحكومة سيعرضها على رئيس الجمهورية، وهو يامل ان تتشكل الحكومة قبل اجتماع المجلس الشرعي الاعلى المرتقب السبت المقبل، خوفا من صدور مواقف عالية السقف قد يستغلها البعض «للتصويب» على مهمته، لكنه اكد في المقابل انه مستمر في عملية التاليف، ولن يتراجع او يعتذر..

} تسهيل المهمة»... }

ووفقا لمصادر «الثنائي الشيعي» فان حركة امل وحزب الله سيعملان على عدم السماح لاحد بمحاصرة مهمة دياب الذي يملك كامل الحق بالتشاور مع الاغلبية النيابية التي كلفته التشكيل، اما من يرفض المشاركة في الحكومة فهو يتحمل المسؤولية لكن من غير المسموح لاحد ان ياخذ البلاد الى الفوضى، ويجب على الجميع ان يتعاملوا بواقعية تحمي البلاد وتنقذها من السقوط في «الهاوية»...

من جهتها، اكدت مصادر تكتل لبنان القوي ان وزير الخارجية جبران باسيل لم يلتق رئيس الحكومة المكلف الا في الاستشارات النيابية، وليس صحيحا انه يعرقل تشكيل الحكومة، وهو لم يعد متمسكا باي اسم في حال تم التفاهم مع الشركاء على تقديم اسماء جديدة...

} تحركات اوروبية فاعلة.. }

وفي هذا السياق، اكدت اوساط وزارية بارزة «للديار» ان الدبلوماسية الاوروبية تحركت خلال الساعات القليلة الماضية في بيروت وجرى التواصل مع مسؤولين رسميين رفعي المستوى للحث على التسريع في تشكيل الحكومة قبل ان تؤثر التطورات «المقلقة» في المنطقة، بعد الغارات الاميركية على مواقع حزب الله - العراق، على الملف اللبناني الذي لا يزال كل من الاميركيين والايرانيين يتعاملون معه «بحياد» نسبي يسمح باخراج البلاد من «عنق الزجاجة»...

} حماسة فرنسية.. }

ولفتت تلك الاوساط، الى ان الجانب الفرنسي يبدو اكثر المتحمسين لانجاز الحكومة في اسرع وقت ممكن ضمن المواصفات العامة التي لطالما اكدت عليها باريس، وثمة رضى واضح حتى الان على الخطوط العامة التي يعمل من خلالها الرئيس المكلف حسان دياب ويمكن ان تترك الصدى الايجابي المطلوب داخليا وخارجيا..

وعلم في هذا السياق، ان الفرنسيين اعادوا التأكيد على عدم وجود اي «فيتوات» من قبلهم او حتى من الدول الضامنة لمؤتمر سيدر، بما فيهم الاميركيون على هوية رئيس الحكومة، لكن المطلوب سريعا وضع خطط واضحة وشفافة لكيفية ادارة المرحلة المقبلة اقتصاديا «ليبنى على الشيء مقتضاه».. لكن المهم الان هو الاسراع في «لملمة» الاوضاع الداخلية كي تستطيع البلاد مواجهة اي تطورات سلبية محتملة في المنطقة، وهذا الامر يحتاج الى «صدمة» ايجابية تعيد الثقة اولا، وتوقف التدهور ثانيا، على ان تحصل مواكبة دولية لعملية الاصلاح المطلوبة..

} زيارة الحريري غير «مؤثرة».. }

وقد طمأن الفرنسيون من تواصلوا معهم الى ان زيارة رئيس حكومة تصريف الاعمال الى فرنسا لن تغيير من الوقائع شيئا، فوجود الرئيس سعد الحريري هناك اهدافه «سياحية» في المقام الاول، واي لقاءات قد يطلبها مع المسؤولين الفرنسيين بعد عطلة الاعياد لن تعيد «عقارب الساعة» الى الوراء، خصوصا اذا ما تم انجاز تشكيل الحكومة في بيروت، فالحكومة الفرنسية ملتزمة مساعدة الدولة اللبنانية ولم تعترض اصلا على هوية رئيس الحكومة المكلف الذي يترك حتى الان انطباعا جيدا..

وكان السفير الفرنسي في لبنان برونو فوشيه قد وجه رسالة الى اللبنانيين لمناسبة رأس السنة امل فيها ان يتم تشكيل حكومة فعالة وذات مصداقية على اسرع وجه ومن دون انتظار.. ودعا الحكومة الجديدة الى اعتماد جميع الاصلاحات المطلوبة التي يحتاجها لبنان لمواجهة التحديات الراهنة من اجل مستقبله.. واشار السفير الفرنسي الى وقوف بلاده الى جانب لبنان دائما كما كانت في الماضي..

} نصائح غربية: لا تعولوا على واشنطن }

وفي السياق نفسه، نصحت اوساط غربية في بيروت حلفاء واشنطن بعدم «التعويل» كثيرا على التحول الاميركي في الصراع مع ايران، واعتبار استهداف مواقع للحشد الشعبي مؤشرا يمكن اسقاطه على الواقع اللبناني، ووفقا لبعض الشخصيات ممن تواصلوا مع مسؤولين غربيين فان هؤلاء يعتقدون ان ما حصل دليل ضعف وليس فائض قوة اميركية لان النفوذ الاميركي في المنطقة يقترب من النهاية مع استمرار ادارة الرئيس دونالد ترامب تطبيق سياسة «الخروج» الممنهج ما يجعل قدرة الولايات المتحدة على تشكيل الأحداث في الشرق الأوسط ضعيفا فيما بدأت روسيا وإيران وتركيا تملأ الفراغ... وما يجري من احداث في ادلب وصولا الى ليبيا يشير بوضوح الى ان الصراع بات في مكان آخر حيث بات اللاعبون المؤثرون كثراً ولا يتماهون مع مصالح واشنطن، ولذلك نصحت تلك الاوساط شخصيات لبنانية نافذة تدور في «الفلك» الاميركي، بالتعامل بواقعية مع التطورات الداخلية وعدم دفع الامور نحو تصعيد غير مضمون النتائج بوجه الحكومة الجديدة، لان احدا في الخارج غير مستعد لتقديم المساعدة وهذا ما سيؤدي الى فوضى ستنتهي بانتصار الاقوى..!

} القضاء يتحرك في ملف التحويلات.. }

في هذا الوقت، تفاعل ملف التحويلات المالية الى الخارج واخذ منحا قضائيا، بعدما طلب النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات من القضاء السويسري، وهيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، مساعدة قضائية لإيداعه معلومات عن مدى إجراء تحويلات مصرفية مالية مشبوهة من لبنان إلى الخارج قام بها سياسيون في الآونة الأخيرة..

واذا كانت التحويلات المالية غير المشبوهة لا يحظرها القانون، لكن توقيت هذه التحويلات تطرح اكثر من علامة استفهام في ظل «التقنين» الخانق الذي تفرضه المصارف على المودعين الصغار، ووفقا لاوساط مطلعة على هذا الملف يريد القضاء معرفة ما اذا كان بعض السياسيين قد استفادوا من «صرف النفوذ» واستبقوا الازمة الحالية وقاموا بتحويل اموالهم، والتحقيقات تشمل تسعة مسؤولين وفي حال تبين وجود شبهة في تحويلاتهم، فإن الأمر سياخذ المنحى القانوني لاستعادتها...

} سلامة يعد بالتحقيق ايضا }

ووفقا لتلك الاوساط، فان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة سبق ونفى امام لجنة المال الموازنة ان يكون هناك 11 مليار دولار تم تهريبها من لبنان، واشار الى ان الرقم مضخم، مذكرا ان عمليات التحويل قانونية في لبنان وليست مقيدة، بمعنى انه يحق لاي مودع ان يحرك ويحول امواله «النظيفة» بين المصارف في لبنان والخارج، وان عمليات من هذا النوع تتم من دون معرفة المصرف المركزي ولجنة الرقابة على المصارف.

وفي موازاة التحرك القضائي، سيفتح سلامة تحقيقا في التحاويل المشبوهة وسيحرك لجنة الرقابة على المصارف، وهو اكد ان التحقيق من جانب المصرف المركزي يحتاج اما الى طلب قضائي، او افادات من المصارف المعنية، او مراسلات بهذا الخصوص من الخارج، وعندها يمكن بسهولة الكشف عن حجم التحويلات ومصادرها...

} سقوط الخطوط الحمراء.. }

في هذا الوقت، اعتبر رئيس الجمهورية خلال استقباله وفدا طالبيا، ان «الاحداث التي حصلت لم تضر بل كسرت محميات كثيرة وخطوطا حمراء وستبدأ نتائجها بالظهور بدءا من اليوم». وأوضح الرئيس عون «ان الفساد موجود بكثرة في لبنان ومافياته متضامنة في ما بينها اينما وجدت، بحيث انها تصطنع الخلافات في حين انها ليست كذلك على الاطلاق.

وقد وقع رئيس الجمهورية، مراسيم ترقية الضباط في الجيش وقوى الامن الداخلي والامن العام وامن الدولة والضابطة الجمركية. وحملت المراسيم الى جانب توقيع رئيس الجمهورية، تواقيع رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري، ووزراء المالية علي حسن خليل، الداخلية والبلديات ريا الحسن والدفاع الياس بو صعب. وجاء التوقيع وفق ما ورد من رتبة عقيد وما دون.