وسط كل العراقيل والسدود التي يتم وضعها في طريق الرئيس المكلف حسان دياب للحؤول دون نجاحه في تشكيل حكومته ومن ثم الانطلاق نحو ما هو مطلوب لمعالجة مسببات الانهيار الذي وصلت اليه البلاد ووسط كل ما تريده القوى السياسية الداعمة للرئيس المكلف من مشاركة باختصاصيين ومعها رفع عناوين ورهائن على قدرة الحكومة المنتظرة باخراج البلاد من هذا الواقع المهترئ الذي وصل الى حدود الافلاس، تبقى محاولات التعطيل من جهة والرهان على انجاح الحكومة الجديدة من جهة ثانية، مرتبطة بما سيسلكه مجلس الوزراء من اداء وتوجهات في مرحلة ما بعد التأليف والحصول على ثقة مجلس النواب.

ولذلك، يؤكد سياسي عتيق عايش مرحلة ما بعد الطائف ان مسار نجاح الرئيس المكلف وحكومته منوط ليس بوجود وزراء مسؤولين او وزراء اختصاص ينتمي كثير منهم للاطراف السياسية، ولا حتى بما قد تعمل له القوى السياسية المعترضة على التكليف أو طبيعة الحكومة الجديدة من محاولات للعرقلة من هنا او التسهيل من هناك، وايضاً ما قد تواجهه هذه الحكومة من اعتراضات خارجية او تمنع عن تقديم المساعدة او حتى لجوء بعض الدول الى مساعدة لبنان، فكل هذه العناوين والاحتمالات لها تأثيراتها على عمل الحكومة وما هو مطلوب منها، لكن تبقى القضية الاساس هي في جذرية السياسات الاصلاحية التي ستعتمدها الحكومة، وفي اتباع مقاربات جدية لوقف الهدر والفساد ومحاسبة كل الذين يتحملون المسؤولية عن هدر عشرات مليارات الدولارات طوال 25 عاماً، بعيداً عن تصفية الحساب من هنا ومراعاة هذا الفريق أو ذاك من هناك.

ولذلك، يشير السياسي العتيق الى أن ما هو مطلوب من الحكومة، سواء كانت من اختصاصيين او من تكنوقراط او فيها تمثيل لاختصاصيين منتمين لقوى سياسية يتجاوز بعض ما يطرح من هنا او هناك من اجراءات وخطوات، انطلاقاً من الآتي:

- اولاً: اذا كان تسهيل الاطراف السياسية لعمل الحكومة، واحتمال لجوء جهات دولية لتقديم مساعدات لها تأثيرها الايجابي المؤقت على الوضع الداخلي، لكن من دون خروج الاداء الحكومي وكل ما هو حاجة من اجراءات من دائرة المصالح والتسويات الحزبية والمذهبية والسياسية، فالامور والمعالجات لن تتعدى كسب الوقت أو ادخال تحسينات ظرفية في نظام المحاصصة والهدر، وكل السياسات الريعية التي أفضت الى الانهيار.

- ثانياً: لا بدل عن اداء وتوجهات للحكومة خارج كل التسويات والمحاصصات التي لا تزال سائدة حتى اليوم، وكذلك وجود تغطية سياسية لها، خاصة من القوى التي قد تشارك بها بوزراء اختصاصيين، لأنه من دون هذه التغطية البعيدة ان تصفية الحسابات او مراعاة لهذا الفريق او ذاك من داخل الحكومة أو خارجها، فحتى لو حظيت الحكومة بتغطية كل القوى السياسية، فهي ستبقى عاجزة عن المعالجة واخراج البلاد من ازماتها، اذا ما عاودت بشكل او بآخر اعتماد السياسات السابقة مالياً ونقدياً واقتصادياً، وفي الدرجة الاولى سياسة «الرزق السايب يعلم الناس الحراك» وعلى كل المستويات وفي كل مرافق ومؤسسات الدولة، على الرغم من الحاجة للاتيان بشخصيات الى الحكومة من خارج كل الاسماء التي شاركت في الحكومات السابقة حتى تستعيد بعضاً من الثقة لدى المواطن بدءاً من الحراك الشعبي، وان لا يصار الى توزيع الحقائب كأنها مغانم وحصص لهذا الفريق او تلك الطائفة والمذهب، فاستمرار منطق المحاصصة في توزيع الحقائب وتمترس الاطراف وراء تسمية من تريد على رأس هذه الوزارة او تلك، هو مؤشر غير مطمئن، ولو أن هناك ضرورة لوجود وزراء أكفاء وموثوقين وطنياً ونظيفي الكف.

- ثالثاً: ضرورة اعتماد خطة شاملة تعتمد التغيير البنيوي في كل ما اعتمد من سياسات مالية ونقدية واقتصادية وحياتية، بدءاً من معالجة الازمة المالية والنقدية، بما يصح بكل السياسات الريعية، وسياسة الهندسات المالية ورفع الفوائد ما انتج تداعيات كارثية على خدمة الدين والاقتصاد الوطني والمواطن، على حد سواء، في مقابل زيادة ثروات الاغنياء واصحاب الودائع الضخمة والمصارف، اولاً الى الارتفاعات المخيفة في ميزان المدفوعات الذي تجاوز الـ15 مليار دولار في الاشهر الماضية، في وقت يندر وجود العملات الاجنبية في السوق ما ادى الى ندرة وجود الدولار واستحالة حصول الجهات المستوردة على العملة الاجنبية، بينما عمد اصحاب المصارف وكبار المتمولين وحيتان المال على تهريب عشرات مليارات الدولارات الى الخارج، ما انتج هذه الازمة والانهيار الحاصل بسعر العملة الوطنية لدى الصيارفة.

ولذلك، يوضح السياسي المذكور ان تعاطت الحكومة الجديدة مع الظروف الاستثنائية انطلاقاً من عناوين وضرورات هكذا خطة. فعلى من يقرر فيها ويدعمها سياسياً والمسارعة الى اجراءات اساسية واستنتاجية وسريعة انطلاق من هذه العناوين:

1- استعادة الثقة بالعملة الوطنية من خلال خطوات جدية وسريعة لمواجهة مافيات سحب الدولار من المصارف والسوق الداخلية لجني ثروات على حساب الاقتصاد الوطني والفقراء خصوصاً ان حركة صرف الدولار لدى الصيارفة في الاسابيع الاخيرة اكدت ان السوق الداخلي فيه كميات كبيرة من العملة الأجنبية خاصة الدولار، لكن مافيات المصارف وبعض الصيارفة يعمدون الى شراء كميات كبيرة حتى يحصل ارتفاع لسعر الدولار بالتوازي مع حاجة السوق لمبالغ كبيرة من العملة الصعبة لحاجات الاستيراد وحاجة المواطنين، اضافة الى التزام اصحاب المصارف وكبار المتمولين باعادة الاموال التي جرى تهريبها الى الخارج خاصة الى البنوك السويسرية، لان ذلك يعيد التوازن ما بين الطلب على الدولار وحاجة السوق اللبنانية اليه.

2- اعتماد سياسات شفافة وواضحة في مواجهة مكامن الهدر والفسادفي كل مرافق ومؤسسات الدولة بعيداً عن اي محاولات للتغطية عن كل من ساهم او استفاد بطرق غير شرعية من المال العام، على غرار ما حصل ويحصل للسعر في كل مرافق الدولة واخرها ما كشف عنه النائب جهاد الصمد حول ضغوط على ديوان المحاسبة من جانب وزير الاتصالات في حكومة تصريف الاعمال لطمس الهدر الذي يفوق مائة مليون دولار في «اوجيرو»، ويقول السياسي المعني ان اي تغطية على مكامن الفساد والهدر والتلكؤ في تحرير القضاء من الضغوط السياسية حتى يتحرك لمحاسبة الفاسدين وكل الذين جنوا ثروات من المال العام بما في ذلك الطلب من السلطات السويسرية ايداع الحكومة كل التحويلات المالية بالدولار والعملات الاخرى اليها خاصة منذ مطلع العام الحالي، وسيرتد مخاطر كبيرة ليس فقط على دور الحكومة وما هو مطلوب منها، بل على الواقع الداخلي، وبالتالي سيفاقم من الازمات وسيؤدي الى موجة اوسع واشمل من الرفض والحراك الشعبي في كل الميادين والساحات على الرغم من الاتيان باسماء موثوقة وطنياً وكفوءة ونظيفة الكف من المستقلين فستكون له تداعيات ايجابية اشمل واوسع، لان هكذا حكومة تستطيع اعطاء الثقة للداخل والخارج وتتيح حصول لبنان على مساعدات تمكن من استعادة التوازن للوضعين المالي والنقدي بانتظار الاجراءات المطلوبة من الحكومة، وبالتالي فبرنامج الحكومة والجدية في تطبيقه هو المسألة الاكثر اهمية، قبل الحكم على الاسماء والحقائب، على الرغم من ان طبيعة الحكومة وكيفية تعاطي القوى السياسية معها، ومع توزيع الحقائب والحصص يؤشر الى مدى الجدية لدى هذه القوى بابعاد العمل الحكومي عن المصالح الحزبية والفئوية والتقاسم المذهبي.