بعد حرق اسم المهندس سمير الخطيب، كمرشح محتمل لرئاسة الحكومة عشية الاستشارات النيابية الملزمة التي كانت محددة الاثنين الماضي، بعد احتراق اسمي الوزيرين السابقين بهيج طبارة ومحمد الصفدي، لتسمية الرئيس المكلف لتشكيل الحكومة، فان مقولة «انا او لا احد غيري»، باتت ملتصقة بالرئيس سعد الحريري، الذي سبق واعلن «لست انا بل احد غيري»، لكن بالممارسة، فان شعاره هذا لم يلتزم به، او يقرن القول بالفعل، بل مارس «التقية»، بموافقته على اسماء غيره، عندما رفض شرطه ترؤس «حكومة تكنوقراط»، فلم تلق التجاوب من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون؟ ومعه التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة «امل» الذين طرحوا اسمه لحكومة «تكنو- سياسية»، وعندما اقترب استحقاق الاستشارات من خلال سيناريو، تمت كتابته في بيت الوسط، بان يستقبل مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، الخطيب، ويبلغه دعمه للحريري كرئيس للحكومة، وعدم تأمين الغطاء السني له، الذي لم يتأمن ايضاً لا للصفدي ولا لطبارة، عبر بيانات رؤساء الحكومة السابقين، الذين اصروا على الحريري رئيساً للحكومة، وهو ما اكد عليه المفتي دريان، لقطع الطريق امام اي مرشح سني خر، غير الحريري الذي بدأ يطرح معادلة «التيار الوطني الحر»، الرئيس القوي في طائفته، وهذا ما ينطبق على العماد عون في رئاسة الجمهورية، وعلى الحريري في رئاسة الحكومة والرئيس نبيه بري في رئاسة مجلس النواب.

لذلك، فان الكرة عادت الى ملعب الحريري، الذي تحصّن وراء طائفته السنية، التي اختزلها المفتي دريان بشخصه بدعم الحريري دون غيره، ولم يعد بامكان اي شخص سني ان يطرح نفسه، او يطرحه آخرون، حتى لو سماه الحريري نفسه، وفق ما تقول مصادر سياسية متابعة، التي تشير الى ان الحريري، يريد ان يعود الى رئاسة الحكومة، منذ استقالته منها، ظناً منه، بانه يكسب «الحراك» في الشارع، ويستعيد شارعه الذي ابتعد عنه، وان كثيرين من محازبيه وانصاره في «تيار المستقبل»، تماهوا مع المتظاهرين والمعتصمين في الشوارع والساحات، في العديد من المناطق اللبنانية، وشاركوهم الحراك.

وبعد عزوف ثلاث شخصيات، جرى التداول باسمائها لرئاسة الحكومة، فان الحريري الذي لا يملك الاكثرية النيابية لتسميه، فانه يهدد بالشارع، وقد استخدمه عندما استقال، وبعد بروز اسماء غير اسمه، وهو حصر رئاسة الحكومة بالمرجعية الدينية للطائفة السنية (دار الفتوى)، وليس بالدستور الذي يكلف من يشكل الحكومة، المرشح الذي ينال اكثرية اصوات النواب في الاستشارات، وهو من ابرز الاصلاحات التي تحققت في «اتفاق الطائف» الذي حرر رئيس الجمهورية والزمه باستشارات يختار فيها النواب رئيس الحكومة، بعد ان كانت محصورة برئيس الجمهورية قبل الطائف.

لذلك، فان تمسك «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة امل) بالحريري، كي لا يقع صدام سني - شيعي، وانتظار الرئيس عون لجواب الحريري لترؤس الحكومة، حفاظاً على «التسوية الرئاسية» و«الميثاقية»، الا ان رئيس الحكومة المستقيل، استغل «لبن العصفور» الذي ارسله له الرئيس نبيه بري، ليمضي في شروطه، بان تكون الحكومة برئاسته من دون سياسيين واحزاب، بل اصحاب اختصاص، وهو ما زال عند موقفه المتشدد الذي يرفض اية تسوية على غرار ما فعله عندما اعلن «ربط نزاع» مع حزب الله في العام 2014، لتسهيل تشكيل حكومة الرئيس تمام سلام، او في «التسوية الرئاسية» التي اقامها مع العماد عون، في العام 2016، وفق ما تقول المصادر، التي تكشف بأن الحريري، يلعب على «حافة الهاوية» مع الاكثرية النيابية، ويريد بان تخضع لشروطه تتنازل له، متسلحاً بموقف دار الفتوى الذي الغى الآخرين في الطائفة، التي اعطت نتائج الانتخابات 11 نائباً سنيا من خارج «تيار المستقبل».

وخلال الايام الخمسة التي تسبق الاستشارات النيابية المحددة الاثنين المقبل والمعرضة للتأجيل، اذا لم يحصل توافق سياسي، فإن الحريري يعمل بالاسلوب نفسه الذي اتبعه حزب الله وحلفاؤه اثناء انتخابات رئاسة الجمهورية، التي بقيت شاغرة عامين ونصف العام، وهو مستعد ان يبقى رئىسا لحكومة تصريف اعمال طيلة الفترة الباقية من عهد الرئىس عون التي تقارب الثلاث سنوات، وفق ما تنقل المصادر، التي ترى ان الوضع السياسي معقد، بعد ان دخلت الطائفية عليه، وباتت رئاسة الحكومة تمر بدار الفتوى وبيت الوسط، لا المؤسسات الدستورية، لان شعار «الاقوى في طائفته» الذي طرحه الوزير باسيل، يوصل الى حالة الانهيار الذي سببه الطائفية بزعمائها وسياسييها الذين نهبوا البلد بإسمها.