واقعتان على مستوى كبير من الخطورة شهدتهما البلاد خلال الساعات الماضية، وتتمثلان بما اعلنه مطران بيروت للموارنة الياس عودة بحق الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، وبما ابلغه مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان لمرشح التسوية لرئاسة الحكومة سمير الخطيب، وبينها دعم المفتي دريان لترشيح رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري لرئاسة الحكومة، ما افضى الى انسحاب الخطيب والعزوف عن تقديم نفسه كمرشح للتسوية التي كانت حصلت في وقت سابق، بعد اعلان الحريري نفسه دعمه لترشيح الخطيب.

وفيما يرى مصدر سياسي - قريب من تيار سياسي خارج قوى 8 اذار - ان هاتين الواقعتين اخذت البلاد ومعها الواقع السياسي المأزوم نحو مزيد من التصدعات السياسية وحتى الروحية، فيما الساحة الداخلية هي احوج ما تكون للتفتيش عن نقاط التلاقي بما يتيح التخفيف من الصراعات السياسية التي باتت تنذر بعواقب خطرة، ومعها التلاقي مع كل سعي لتجنيب البلاد لمزيد من الانقسامات المذهبية او فرض وقائع سياسية خارج الدستور.

لذلك يكتفي السياسي المعني باعتبار ان ما قاله رئيس اساقفة سبسطية للروم الارثوذكس في القدس المحتلة المطران عطا الله حنا، تأكيد «انه آلمنا ما صدر واحزننا كثيراً ما سمعناه من تصريحات مبررة وغير مقبولة في كاتدرائية بيروت الارثوذكسية، اما الكنيسة ليست مكاناً للتحريض بل مكاناً لتكريس القيم الاخلاقية الوطنية النبيلة (...) وما سمعناه لا يمثلنا كمسيحيين وكابناء الكنيسة الارثوذكسية». اضاف المطران حنا «كنا لا نستمع الى هذه التصريحات السياسية غير المقبولة (...) فالسيد حسن نصرالله وحزب الله كان لهم دور في الدفاع عن الوجود المسيحي في سوريا والمشرق ونرفض التطاول على السيد نصرالله»...

فيما جاء موقف الوزير الياس بو صعب بالمعنى السياسي بدعوته لقيام الدولة المدنية وفصل «الدين عن الدولة» تعبيراً واضحاً عن حاجة البلاد لنظام مختلف بكل تركيبته السياسية والطائفية.

كما يرى السياسي المذكور ما تضمنه بيان «اللقاء التشاوري» رداً على موقف المفتي دريان فيه توصيف فعلي مما آلت اليه الامور السياسية وتأثير المراجع الدينية على دور المؤسسات الدستورية بقوله «ان مصادرة الحياة السياسية من قبل المرجعيات الدينية ينهي دور المؤسسات الدستورية، وفي طليعتها المجلس النيابي ويصادر الحريات السياسية الوطنية التي تجلت في حراك الشعب اللبناني المنتفض على سياسة الفساد وتوزيع المغانم (...) ويسيء الى الدور الروحي للمرجعيات الدينية التي تجمع ولا تفرق وتنأى بنفسها عن زواريب الحياة السياسية والالعاب السياسية الرخيصة»!

ورغم ان هاتين الواقعتين حصلتا في توقيت صعب حيث لبنان على مفترقات خطرة، فان العشرات من الوقائع المماثلة سمعها وشاهدها وما زال يشاهدها الشعب اللبناني، منذ انتفاضة الشعب اللبناني وما سبقها وتبعها من انهيار للمنظومة السياسية وغير السياسية، ومعها يشكل اخطر انهيار المالي والنقدي والحياتي، حيث البلاد وابنائها في واد والمسؤولين في كل مواقعهم المختلفة في واد آخر، والدليل على هذا الانفصام - وفق السياسي المعني - ليس فقط إصرار القوى السياسية بدعم من مراجعهم الدينية على إعادة انتاج السياسات السابقة نفسها التي انتجت هذا الانهيار، بل انغماس الجميع بالغطاء الطائفي والمذهبي لاعتقاده ان هذا المسار يمكنه فرض شروطه السياسية للحصول على مزيد من المكاسب والحصص الطائفية، على حساب ما تحتاج اليه البلاد من اجراءات متكاملة خارج كل الحسابات الطائفية والسياسية الخاصة.

وانطلاقاً من ذلك، كيف ينظر السياسي وهو ينتمي الى احد الاطراف المشاركة في الحراك الشعبي، لارتدادات مواقف كل من المطران عودة والمفتي دريان؟

بغض النظر عن تفسيرات أخرى قد تكون صحيحة أو مجرد اجتهادات، يلاحظ السياسي المعني ان موقف المطران عودة سجّل الأسباب الفعلية والحقيقية لما اكد عليه في عظته بتوجيه صرخة في وجه المسؤولين بقوله «الا تسمعون ما يطالب به ابناؤنا في الشارع؟ يطالبون بأن يلتفت المسؤولون الى مطالبهم المحقة... ان هناك من يحاول تشويه سلمية احتجاجاتهم...» وبالتالي - يوضح السياسي - ان هناك تناقضاً واضحاً في كلام ومواقف المطران عودة، من حيث رفعه صرخة صادقة بوجه المسؤولين الذين يتجاهلون مطالب الناس وفقرهم وما وصلت اليه البلاد، وبحسب قوله «ان هذا البلد يحكمه شخص تعرفونه جميعاً ولا احد يتفوه بكلمة...»، فالمطران عودة على معرفة كاملة بأن كل دعوات واصرار السيد نصرالله على مكافحة الفساد، وفعل كل ما أمكن لدفن الفتن الطائفية، كان يقابل باستمرار بلعبة التجييش المذهبي وحماية الفساد والفاسدين من اطراف سياسية معروفة لدى كل اللبنانيين، حتى لو كان هناك أمور غير مفهومة - كما يقول السياسي المذكور - حيال التعاطي مع الحراك الشعبي، رغم وجود جهات داخلية وخارجية تسعى لاستغلال هذا الحراك لغايات مشبوهة، لكن اكثرية الحراك الشعبي ينتفض رفضاً للفقر والفساد وموبقات الطبقة الحاكمة.

أما ما أبلغه المفتي دريان لمرشح التسوية لرئاسة الحكومة سمير الخطيب، من انه يدعم ترشيح الرئيس الحريري لرئاسة الحكومة، فبعيداً عمّا جرى من «طبخات» لحرق المرشح الخطيب بإيعاز من الحريري نفسه ولا يستبعد ان تكون هناك جهات خارجية دفعت في هذا الاتجاه، لكن موقف المفتي دريان أفضى الى ارتدادات خطيرة تتجاوز حرق اسم المرشح الخطيب الى الاتي:

1- ان هذا الموقف اعاد الاتصالات للاتفاق على اسم المرشح لرئاسة الحكومة الى المربع الاول، من حيث تعنت الحريري بالشروط التي يتمسك بها للقبول بالعودة الى رئاسة الحكومة على الرغم من ان الاطراف الاخرى التي انتجت التسوية الاخيرة حول الخطيب، كانت تصر لاخر لحظة على عودة الحريري لرئاسته الحكومة، وهي قدمت له كما قال الرئيس نبيه بري «لبن العصفور» للقبول بالتكليف.

2- ان هذا الموقف نسف دور مجلس النواب والقوى السياسية التي لديها اكثرية نيابية، فبغض النظر عن بعض التفسيرات التي تعتبر ان الاستشارات النيابية هي التي تحدد الاسم الذي سيكلف التشكيل، وبالتالي فرض اعراف جديدة، لكن في المضمون ان القوى السياسية وبما تمثله في مجلس النواب من اكثرية نيابية ارادت - بحسب ما اعلنته - انجاز التشكيلة الحكومية في وقت سريع تفادياً لدخول البلاد في مرحلة طويلة من «الكباش» حول التشكيلة الحكومية على غرار ما حصل مع الحريري وغيره.

3- لقد افضى هذا الموقف الى «دق مسمار جحا» في اتفاق الطائف، ما يطرح علامات استفهام حول ما تطلقه اطراف السلطة بدءاً من الحريري وتيار المستقبل حول الالتزام بالطائف، ويفسح في المجال لاسقاط دور المؤسسات من جهات روحية ودينية في كل الطوائف.

ومن كل ذلك، يؤكد السياسي المذكور ان هذه المواقف وما يسبقها من تجييش طائفي ومذهبي وحمايات مذهبية للفاسدين في كل مؤسسات الدولة، وانغماس اطراف وجهات كثيرة سياسية وروحية في لعبة «الشيعية السياسية والسنية السياسية والمارونية السياسية»، ستفاقم من ازمات البلاد واللبنانيين ويعمق من موبقات نظام التقاسم المذهبي والطائفي، وبالتالي فالحاجة ملحة لاقتناع جميع الجهات المعنية وفي كل مواقعها بان لا خروج للبنان من ازماته، دون قيام الدولة المدنية وفصل الدين عن الدولة والسياسة.