دارت مُفاوضات التكليف والتشكيل دورة كاملة وعادت إلى النقطة التي كانت قد إنطلقت منها قبل شهر ونيّف، في إستهتار فاضح بالأوضاع الإقتصاديّة والماليّة والمعيشيّة المُتدهورة، وفي إثبات جديد أنّ السُلطة في واد والناس في واد آخر! والسُؤال الذي يفرض نفسه حاليًا، بعد سُقوط ورقة ترشيح المهندس سمير الخطيب، لينضمّ إلى لائحة طويلة من الأسماء التي جرى إحراقها، إمّا بشكل فوري أو بعد حين، هو: ماذا عن إستشارات الإثنين المُقبل؟

بحسب مصدر نيابي مَحسوب على «تيّار المُستقبل» إنّ ما حصل كان مُتوقّعًا، بعد أن بلغت التعدّيات على الدُستور مرحلة خطيرة، حيث لم يعد من قيمة لا لدُستور ولا لقوانين ولا لأعراف، وحيث لم يعد من قيمة أو إعتبار لشرائح سياسيّة وطائفيّة أساسيّة في هذا البلد! ولفت المصدر نفسه إلى أنّ رئيس حُكومة تصريف الأعمال لا يزال عند موقفه، والذي كان قد أبلغه بشكل واضح لكل من المُعاون السياسي لرئيس مجلس النوّاب علي حسن خليل والمُعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين خليل، لجهة إستعداده لتولّي المسؤولية، لكن على رأس حُكومة غير سياسيّة قادرة على النُهوض بالأوضاع مُجدّدًا، وعلى نيل ثقة الناس من جهة وثقة المُجتمع الدَولي من جهة أخرى، من دون أن يُمانع في الوقت عينه تأمين الغطاء لأي شخصيّة مُستعدّة لأن يتمّ تكليفها لتشكيل الحُكومة المُقبلة، في حال نجحت في ذلك!

في المُقابل، رأى مصدر حزبي في «التيّار الوطني الحُرّ» أنّه بعد أن جرى توجيه الكثير من السهام الظالمة نحو رئيس «التيّار» الوزير جبران باسيل، بحجّة أنّه يُعرقل التكليف والتشكيل ويُطبّق شعار «أنا أو لا أحد»، تبيّن للشعب اللبناني برمّته من يُطبّق هذا الشعار بالفعل! وأضاف أنّ من كان ينتقد فخامة رئيس الجُمهوريّة العماد ميشال عون بخرق الدُستور، بحجّة تأخير الإستشارات، وينتقد كل المُفاوضات التي كانت قائمة لتسهيل ولادة الحُكومة، بذريعة مُصادرة قرار مجلس النوّاب، شاهد بأمّ العين من ينسف الدُستور ويُعرقل تشكيل الحُكومة ومن يتجاوز رأي النوّاب! وأشار المصدر نفسه إلى أنّ الأوراق خُلطت من جديد، حيث أنّ إنسحاب المُهندس الخطيب من المُعادلة الحُكومية، فتح من جديد الباب واسعًا، على كل الإحتمالات من اليوم وحتى موعد الإستشارات النيابيّة المُقبلة في السادس عشر من الشهر الحالي.

في غُضون ذلك، أكّدت أوساط سياسيّة مُتابعة لمُجريات مُحادثات التكليف والتشكيل، أنّه بعيدًا عن المُناورات والمُناكفات السياسيّة، لا تُبشّر المُعطيات الحالية بالخير على خط عمليّتي التكليف والتشكيل. وقالت: «لا تكليف ولا حُكومة... في المَدى المَنظور»، عَازية السبب إلى عودة الأمور إلى نقطة الصفر، وتحديدًا إلى لحظة إعلان رئيس «تيّار المُستقبل» سعد الحريري إستقالة حُكومته في التاسع والعشرين من تشرين الأوّل الماضي! وأشارت الأوساط السياسيّة المَذكورة إلى أنّ الفيتوات المُضادة ستحول دون التمكّن من تشكيل حُكومة في المُستقبل القريب، على الرغم من الأوضاع المأسويّة التي تضرب اللبنانيّين حاليًا، على مُختلف الصُعد.

وأوضحت الاوساط أنّ مُعادلة الحريري ـ باسيل ومشاكل أخرى عادت من جديد، حيث أنّ الحريري لا يزال على موقفه بأن تكون الحُكومة التي يرضى بأن يرأسها غير سياسيّة، وخالية من الشخصيّات الحزبيّة المَعروفة ومنهم رئيس «التيّار الوطني الحُرّ». وأضافت أنّه في المُقابل، لا يزال الوزير باسيل على موقفه بأنّ خروجه يعني تلقائيًا خروج الحريري من السُلطة، في حين أنّ «الثنائي الشيعي» صار أكثر تمسّكًا من أيّ وقت مضى، بحكومة «تكنو سياسيّة» ، بعد تعاظم الضُغوط الخارجيّة.

ورأت الأوساط السياسيّة المُتابعة لمُجريات مُحادثات التكليف والتشكيل، أنّ التسوية الوسطيّة التي يُمكن أن تفتح الطريق أمام التكليف والتشكيل، تتمثّل في مُوافقة الحريري على حُكومة تكنو سياسيّة، في مُقابل مُوافقة الأطراف الأخرى، على أن يكون التمثيل السياسي محدودًا جدًا فيها، وخاليًا من أي وجه تقليدي، بمن فيهم الوزير باسيل. وختمت بالقول إنّ التوصّل لمثل هكذا تسوية يستوجب أسابيع، ما لم يكن أشهرًا طويلة من المُفاوضات. وسألت: «هل بإمكان لبنان واللبنانيّين الصُمود طوال هذه المُدّة، في ظلّ الأوضاع المَعيشيّة والحياتيّة المُتردّية كليًا؟!».